حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٢٤ - تمهيد لفلسفة ابن طفيل
و قد توهم بعض المتأخرين من كلامه الواقع في آخر «كتاب المشكاة» امرا عظيما اوقعه في مهواة لا مخلص له منها، و هو قوله- بعد ذكر اصناف المحجوبين بالانوار، ثم انتقاله الى ذكر الواصلين- انهم وقفوا على ان هذا الوجود العظيم متصف بصفة تنافي الوحدانية المحضة، فاراد ان يلزمه من ذلك انه يعتقد ان الأول الحق- سبحانه- في ذاته كثرة ما- تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
و لا شك عندنا في ان الشيخ ابا حامد ممن سعد السعادة القصوى، و وصل تلك المواصل الشريفة المقدسة.
لكن كتبه المضنون بها المشتملة على عدم المكاشفة، لم تصل الينا.
تمهيد لفلسفة ابن طفيل
ابن طفيل سيصرح برأيه لمن سأله هذا السؤال:
اعني ان يبث اليه اسرار الحكمة المشرقية.
و لم يتخلص لنا نحن الحق الذي انتهينا اليه، و كان مبلغنا من العلم تتبع كلامه و كلام الشيخ ابي علي و صرف بعضها الى بعض، و اضافة ذلك الى الآراء التي نبغت في زماننا هذا، و لهج بها قوم من منتحلي الفلسفة، حتى استقام لنا الحق اولا بطريق البحث و النظر، ثم وجدنا منه الآن هذا الذوق اليسير بالمشاهدة. و حينئذ رأينا انفسنا اهلا لوضع كلام يؤثر عنا، و تعين علينا ان تكون ايها السائل اول من اتحفناه بما عندنا، و اطلعناه على ما لدينا لصحيح ولائك و زكاء صفاتك.
غير اننا ان القينا اليك بغايات ما انتهينا اليه من ذلك من قبل ان نحكم مباديها معك، لم يفدك ذلك شيئا اكثر من امر تقليدي مجمل. هذا ان انت حسنت ظنك بنا، بحسب المودة و المؤالفة لا بمعنى انا نستحق ان يقبل قولنا.
و نحن لا نرضى لك هذه المنزلة، و نحن لا نقنع لك بهذه الرتبة، و لا نرضى لك الا ما هو اعلى منها، اذ هي غير كفيلة بالنجاة، فضلا عن الفوز على الدرجات.
و انما نريد ان نحملك على المسالك التي قد تقدم عليها سلوكنا، و نسبح بك في البحر الذي قد عبرناه اولا، حتى يفضي بك الى ما افضى بنا اليه، فتشاهد من ذلك ما شاهدناه، و تتحقق ببصيرة نفسك كل ما تحققناه، و تستغني عن ربط معرفتك بما عرفناه.
و هذا يحتاج الى مقدار معلوم من الزمان، غير يسير، و فراغ من الشواغل، و اقبال