التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٠ - النوع السادس روايات بشأن القائم عليهالسلام وتعليم الناس القرآن كما انزل
من القرآن ليس على ما يقرأها الناس، فقال عليه السلام: كفّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم عليه السلام قرأ كتاب اللّه عزّوجلّ على حدّه، وأخرج المصحف الذي كتبه عليّ عليه السلام.[١]
والأحاديث بهذا النمط غير قليل، وهي إن دلّت فإنّما تدلّ على اختلاف ما بين مصحفه عليه السلام والمصحف الحاضر، أمّا أنّ هذا الاختلاف يعود في نصّه أم في نظمه أم في أمر آخر، فهذا ممّا لاتصريح به في تلكم الأحاديث، سوى الحديث الأوّل الذي نوّهنا عنه، فإنّه صريح في وجه الاختلاف، وأنّه ليس في سوى النظم والتأليف، لا شيء سواه، فهو خير شاهد على تبيين وجه الاختلاف المنوّه عنه في سائر الروايات، وهذا في مصطلح الاصوليين من الحكومة الكاشفة لمواضع الإبهام في سائر كلام المتكلّم الحكيم.
على أنّ نفس الاختلاف في نظم الكلام، يكفي لوحده سببا لصعوبة التلاوة، ولصعوبة فهم المراد من الكلام، لأنّ قوام المعنى بذاته رهن النظم القائم بين أجزاء الكلام، فلو غُيّر، غَيّر المعنى لا محالة. كما أنّ وضع جمل الكلام الواحد في مواضعها حسب إرادة المتكلّم ونطقه خير معين على فهم مراده، حيث القرائن الحافّة بالكلام إنّما تصلح قرائن إذا وضعت حسب وضع المتكلّم، دون ما إذا غيّرت عن مواضعها الاولى، سواء عن عمد أو عن اشتباه.
وبعد، فإذا كانت مسألة النظم تعدّ من أهمّ المسائل اللفظية الكلامية- وهي ذات صلة قريبة بمسألة الإفادة والاستفادة- فإنّ هذا ممّا يضمن وجوده بالنحو الأكمل في مصحف عليّ عليه السلام وتعوزه سائر المصاحف على الإطلاق.
هذا، وقد ألِفَ الجمهور هذا النسج الحاضر، واعتادوا عليه خلفا عن سلف طيلة عشرات القرون. فيصعب عليهم التعوّد على خلافه، ومن ثمّ فهم بحاجة إلى تربية وتعليم وممارسة مستمرّة ممّا يقوم بها صاحب الأمر عند ظهوره، إن شاء اللّه.
إذن صحّ قوله عليه السلام: «قرأ كتاب اللّه على حدّه» أي على نسجه الأوّل الأصيل الذي
[١] - المصدر، ص ٦٣٣، رقم ٢٣.