التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٠ - (٣ - في سورة النساء ١٦٢)
بهم.
وقال سيبويه- في باب ما ينتصب في التعظيم والمدح-: وسمعنا بعض العرب يقول:
الحمد للّه ربّ العالمين- بنصب الربّ- فسألت عنها يونس فزعم أنّها عربيّة.[١] قال: ومثل ذلك قول اللّه عزّوجلّ: «لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَ الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ»، فلو كان كلّه رفعا كان جيّدا، فأمّا «الْمُؤْتُونَ» فمحمول على الابتداء.
قال: ونظيره قوله تعالى: «وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ ...».[٢] فقطع إلى النصب مدحا. قال: ولو رفع عطفا أو استينافا كان جيّدا.
وقالت الشاعرة- وهي الخرنق من بني قيس بنثعلبة-:
|
لا يبعدن قومي الذين هم |
سمّ العداة وآفة الجزر[٣] |
|
|
النازلين بكلّ معترك |
والطيّبون معاقد الازر[٤] |
|
قال: وزعم يونس أنّ من العرب من يقول: النازلون، والطيبين.
قال: وزعم الخليل أنّ نصب هذا على أنّك لم ترد أن تحدّث الناس ولا من تخاطب بأمرٍ جهلوه، ولكنّهم علموا من ذلك ما قد علمت، فجعلته ثناءً وتعظيما. ونصبه على الفعل، كأنّه قال: اذكر أهل ذاك واذكر المقيمين. ولكنّه فعل لا يستعمل إظهاره. وهذا شبيه بقوله: إنّا بنيفلان نفعل كذا ... على الاختصاص افتخارا وابتهاءاً.
قال: ومن هذا الباب في النكرة قول اميّة بن أبيعائذ:
|
ويأوي إلى نسوة عطّلٍ |
وشعثا مراضيع مثل السعالي |
|
قال الخليل: كأنّه قال: واذكرهنّ شعثا. غير أنّه على الذمّ.[٥]
[١] - كان سيبويه يحترم من آراء يونس. والزعم هنا بمعنى الرأي والنظر.
[٢] - البقرة ١٧٧: ٢.
[٣] - المعنى: أنّهم بالنسبة إلى الأعداء سموم قتّالة، وبالنسبة إلى الأضياف ناحرون الجزر جمع جزور.
[٤] - المعنى: أنّهم لا يمسّون الفاحشة، وأنّهم عند معاقد الازر جمع ازار أطياب.
[٥] - راجع: كتاب سيبويه، ج ١، ص ٢٨٨- ٢٩١؛ والسعالي: جمع السعلاة انثى الغول.