التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣ - المقدمة
المقدّمة
وبعد، فإنّ نسبة التحريف إلى كتاب اللّه العزيز الحميد نسبة ظالمة تأباه طبيعة نصّ الوحي المضمون بقاؤه وسلامته عبر الخلود. قال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ».[١]
وهي نسبة عمياء وفي نفس الوقت قديمة يرجع عهدها إلى عصر اختلاف أصحاب المصاحف الاولى، حيث التنافس العارم في ثبت نصّه وفي هجاء قراءته، كلّ فريق يرى الصحيح فيما عنده من هجاء و قراءة، والخطأ ما عند الآخرين.
وهكذا لمّا توحّدت المصاحف على عهد عثمان، كان ذلك على يد جماعة كانت تعوزهم كفاءة هذا الأمر الخطير، ومن ثَمّ وقعت مخالفات في رسم الخطّ، واختلاف في نسخ المصاحف مع المصحف الامّ المحتفظ به في نفس المدينة، على ما أسلفنا بيانه.[٢]
وكان من الصحابة وبعض التابعين- خلال هذا الاختلاف- من ينتقد نسخ المصاحف وهجاء القراءات آنذاك، وكانوا كثرةً كابن مسعود وعائشة وابنعباس وأضرابهم ومن مشى على شاكلتهم من التابعين. وبقيت من ذلك التناوش اللَّسَني رواياتٌ وحكاياتٌ أولعت الحشوية بنقلها وضبطها وتدوينها في أُمّهات الجوامع الحديثية، ممّا أوجب فيما بعد مشكلة احتمال التحريف في نصّ القرآن الكريم.
والذي أثار من ذلك العجاج، وعمل في ترويج تلكم الأباطيل، هي تلكم النغمات
[١] - الحجر ٩: ١٥.
[٢] - في الجزء الأوّل من التمهيد.