التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٥ - ٢٤ - زعم فاسد!
لو يشاء الله لهدى الناس جميعا».[١] قيل له: إنّه في المصحف «أَ فَلَمْ يَيْأَسِ ...» قال: أظنّ الكاتب كتبها وهو ناعس!
وقال ابنجريج: زعم ابنكثير وغيره أنّها في القراءة الاولى «أفلم يتبيّن ...».[٢]
قال ابنحجر: هذا الحديث رواه الطبري بإسناد صحيح، كلّهم من رجال البخاري.[٣]
هكذا نسبوا إلى حبر الامّة زعم الغفلة في كاتب المصحف الشريف!
وقد بالغ الزمخشري في الإنكار على صحّة هذا الأثر، قال:
وقيل: إنّما كتبه الكاتب، وهو ناعس، مستوى السينات!
ولكن، هذا ونحوه ممّا لايصدّق بشأن كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! وكيف يخفى مثل هذا حتّى يبقى ثابتا بين دفّتي الإمام، وكان متقلّبا في أيدي اولئك الأعلام المحتاطين في دين اللّه، المهيمنين عليه، لايغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصا عن القانون الذي إليه المرجع والقاعدة التي عليها البناء، وهذه واللّه فرية ما فيها مرية.[٤]
هذا كلام هذا المحقّق المتفرّد في الأدب والتفسير.
لكن مثل ابنحجر- مع كونه من أئمّة النقد والتمحيص- قد أعجبته صحّة السند حسب اصطلاح القوم، فرجّح النقل على العقل الرشيد، وأخذ بالمظنون وترك المقطوع به!
قال- ردّا على كلام الزمخشري-: هذا إنكار من لا علم له بالرجال، وتكذيب المنقول بعد صحّته ليس من دأب أهل التحصيل، فلينظر في تأويله بما يليق.[٥]
قلت: بماذا يؤوّل نسبة النعاس والغفلة إلى كاتب المصحف، وكيف يحتمل أنّه أراد أن يكتب «يتبيّن» فكتب «ييأس» ذهولًا؟!
ثمّ كيف يمكن تخطئة قراءة جمهور المسلمين التي ورثوها كابرا عن كابر عن النبي
[١] - الرعد ٣١: ١٣.
[٢] - جامع البيان، ج ١٣، ص ١٠٤.
[٣] - فتح الباري، ج ٨، ص ٢٨٢.
[٤] - الكشاف، ج ٢، ص ٥٣٠- ٥٣١.
[٥] - فتح الباري، ج ٨، ص ٢٨٢.