المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٦٧ - باب ما يكره أن يفعله بنفسه أو ماله
في سعة من ذلك لانه ابتلى ببليتين فله أن يختار أهونهما عليه لحديث عائشة رضى الله عنها قالت ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين الا اختار أيسرهما ثم حرمة الطرف تابعة لحرمة النفس والتابع لا يعارض الاصل ولكن يترجح جانب الاصل ففى اقدامه على قطع اليد مراعاة حرمة نفسه وفى امتناعه من ذلك تعريض النفس وتلف النفس يوجب تلف الاطراف لا محالة ولا شك ان اتلاف البعض لابقاء الكل يكون أولى من اتلاف الكل ( ألا ترى ) أن من وقعت في يده أكلة يباح له أن يقطع يده ليدفع به الهلاك عن نفسه وقد فعله عروة بن الزبير رضى الله عنه فهذا المكره في معنى ذلك من وجه لانه يدفع الهلاك عن نفسه بقطع طرفه الا انه قيده بالمشيئة هنا لان هذا ليس في معنى الاكلة من كل وجه وحرمة الطرف كحرمة النفس من وجه فلهذا تحرز عن الاثبات في الجواب وقال ان شاء الله في سعة من ذلك فان قطع يد نفسه ثم خاصم المكره فيه قضى القاضى له على المكره بالقود لان القطع صار منسوبا إلى المكره لما تحقق الاكراه على ما بينه في مسألة المكره على القتل فكان المكره باشر قطع يده وهذا ظاهر على قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله وانما الاشكال على قول ابى يوسف رحمه الله فانه لا يوجب القود على المكره فقيل في هذا الفصل لا قود عليه عند أبى يوسف أيضا وليكن يلزمه ارش اليد في ماله وقيل هنا يجب القود عنده لانه انما يجعل المكره آلة في قتل الغير لكونه آثما لا يحل له الاقدام على القتل وهنا يحل للمكره الاقدام على قطع يده فكان هو آلة بمنزلة المكره على اتلاف المال فيجب القود على المكره ولو أكرهه على أن يطرح نفسه في النار بوعيد قتل فهو ان شاء الله في سعة من ذلك اما ان كان يرجو النجاة من النار فانه يلقى نفسه على قصد النجاة وان كان لا يرجو النجاة فكذلك الجواب لان من الناس من يختار ألم النار على ألم السيف ومنهم من يختار ألم السيف وربما يكون في النار بعض الراحة له وان كان يأتي على نفسه وقيل على قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله لا يسعه أن يلقى نفسه إذا كان لا يرجوا النجاة فيه لانه لو ألقى نفسه صار مقتولا بفعل نفسهولو امتنع من ذلك صار مقتولا بفعل المكره وحيث يسعه الالقاء فلوليه القود على المكره وهذا لا يشكل عند أبى حنيفة ومحمد وكذلك عند أبى يوسف في الصحيح من الجواب لانه لما ابيح له الاقدام صار آلة للمكره وكذلك لو أكرهه على أن يطرح نفسه من فوق بيت الا أن في هذا الموضع عند أبى حنيفة لا يجب القود كما لو ألقاه المكره بنفسه وعندهما إذا كان