المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٥٠ - باب ما يكره عليه اللصوص غير المتأولين
فان هناك يباح له التناول ولا يلزمه أن يصبر إلى أن يبلغ الضرب حدا يخاف منه التلف على نفسه لان الضرب فعل الغير به فينظر إلى ما هدده به فإذا كان يخاف منه التلف يباح الاقدام عليه باعتبار ان تمكنه من ايقاع ما هدده به يجعل كحقيقة الايقاع والجوع هنا يهيج من طبعه وليس هو فعل الغير به فانما يعتبر القدر الموجود منه وقد قيل انما يعتبر إذا كان يعلم أن الجوع صار بحيث يخاف منه التلف وأراد أن يتناول مكنوه من ذلك فاما إذا كان يعلم انه لو صبر إلى تلك الحالة ثم أراد أن يتناول لم يمكنوه من ذلك فليس له أن يتناول الا إذا كان بحيث يلحقه الغوث إلى أن يتنهى حاله إلى ذلك فحينئذ لا يسعه الاقدام عليه بادني الجوع قال وكل شئ جاز له فيه تناول هذه المحرمات من الاكراه فكذلك يجوز عندنا الكفر بالله إذا أكره عليه وقلبه مطمئن بالايمان وهذا يجوز في العبادة فان حرمة الكفر حرمة ثابتة مضمنة لا تنكشف بحال ولكن مراده انه يجوز له اجراء كلمة الشرك على اللسان مع طمأنينة القلب بالايمان لان الالجاء قد تحقق والرخصة في اجراء كلمة الشرك ثابتة في حق الملجأ بشرط طمأنينة القلب بالايمان الا أن هنا ان امتنع كان مثابا على ذلك لان الحرمة باقية فهو في الامتناع متمسك بالعزيمة والمتمسك بالعزيمة أفضل من المترخص بالرخصة قال وقد بلغنا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ما من كلام أتكلم به يدرأ عنى ضربتين بسوط غير ذى سلطان الا كنت متكلما به وانما نضع هذا على الرخصة فيما فيه الالم الشديد وان كان سوطين فاما أن نقول السوطان اللذان لا يخاف منهما تلف يوجبان الرخصة له في اجراء كلمة الشرك فهذا مما لا يجوز أن يظن بعبد الله رضى الله عنه وأما تصرف هذا اللفظ منه على سبيل المثل فلبيان الرخصة عند خوف التلف وقيل السوطان في حقه كان يخاف منهما التلف لضعف نفسه فقد كان بهذه الصفة على ما روى انه صعد شجرة يوما فضحكت الصحابة رضى الله عنهم من دقة ساقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تضحكوا فهما ثقيلان في الميزان ولو أن هولاء اللصوص قالوا شيأ من ذلك للرجل والرجل لا يرى أنهم يقدمون عليه لم يسعهالاقدام على المحرم لان المعتبر خوف التلف ولا يصير خائفا التلف إذا كان يعلم انهم لا يقدمون عليه وان هددوه به وقد بينا ان ما لا طريق إلى معرفته حقيقة يعتبر فيه غالب الرأى فان كان لا يخاف أن يقدموا عليه في أول مرة حتى يعاودوه لم ينبغ له أن يقدم على ذلك حتى يعاودوه وهذا على ما يقع القلب ( ألا ترى ) انك لو رأيت رجلا ينقب عليك دارك من