المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٣ - كتاب الاشربة
فقليله حرام خطأ منهم انما أراد السكر حرام فأخطؤا وسنبين تأويل هذا اللفظ بعد هذا وعن على بن الحسين رضى الله عنه أن رسول الله صلى إليه عليه وسلم غزا غزوة تبوك فمر بقوم يزفتون فقال ما هؤلاء فقيل أصابوا من شراب لهم فنهاهم أن يشربوا في الدباء والحنتم والمزفت فلما مر بهم راجعا من غزاتهم شكوا إليه ما لقوا من التخمة فأذن لهم أن يشربوا منها ونهاهم عن المسكر وفيه دليل ان الرخصة كانت بعد النهى وانه عليه الصلاة والسلام نهاهم في الابتداء لتحقق الزجر عن شرب المسكر ثم أذن لهم في شرب القليل منه بعد أن لا يبلغوا حد السكر والزبيب المعتق إذا لم يطبخ فلا بأس بشربه ما لم يغل فإذا غلا واشتد فلا خير فيه والكلام هنا في فصول أحدها في الخمر وقد بينا وانما بقى الكلام فيه في فصل واحد وهو ان عند أبى حنيفة العصير وان اشتد فلا باس بشربه ما لم يغل ويقذف بالزبد فإذا غلا وقذف بالزبد فهو خمر حينئذ وقال أبو يوسف ومحمد رحمها الله إذا اشتد فهو خمر لان صفة الخمرية فيه لكونه مسكرا مخامرا للعقل وذلك باعتبار صفة الشدة فيه يوضحهان حرمة الخمر لما في شربها من ايقاع العداوة والصد عن ذكر الله تعالى وذلك باعتبار اللذة المطربة والقوة المسكرة فيها فأما بالغليان والقذف بالزبد فيرق ويصفو ولا تأثير لذلك في احداث السكر فبعد ما صار مشتدا فهو خمر سواء غلا وقدف بالزبد أو لم يغل يوضحه انه قد يحتال بالقاء شئ عليه ويحتال للمنع من الغليان حتى لا يكون له غليان ولا قذف بالزبد أصلا ولكنه لا بد من أن يشتد ليكون مسكرا فعرفنا ان المعتبر فيه الشدة ولابي حنيفة رحمه الله ان المسكر صفه العصير وهو أصل لما يعصر من العنب وما بقى أثر من آثار الاصل فالحكم له ( ألا ترى ) أن مع بقاء واحد من أصحاب الحطة في المحلة لا يعتبر السكان ثم حكم الصحة والحد لا يمكن اثباته بالرأى ولكن طريق معرفته النص والنص انما ورد بتحريم الخمر والخمر مغاير للعصير ولا تتم المغايرة مع بقاء شئ من آثار العصير وقد كان الحل ثابتا فيه وما عرف ثبوته بيقين لا يزال الا بيقين مثله وذلك بعد الغليان والقذف بالزبد والاصل في الحدود اعتبار نهاية الكمال في سببها كحد الزنا والسرقة لا يجب الا بعد كمال الفعل اسما وصورة ومعنى من كل وجه لما في النقصان من شبهة العدم والحدود تندرئ بالشبهات فلهذا استقصي أبو حنيفة رحمه الله وقال لا تتوفر أحكام الخمر على العصير بمجرد الشده الا بعد الغليان والقذف بالزبد فاما نبيذ التمر ونبيذ الزبيب فان لم يطبخ حتى غلا واشتد وقذف