المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٢٣ - كتاب الاشربة
بهذا التخليل بقي صفة الخمرية فيه وان كان لم يطهر كما إذا ألقى فيه شيأ من الحلاوة وهذا بخلاف جلد الميتة إذا دبغ فان نجاسة الجلد بما اتصل به من الدسومات النجسة والدبغ ازالة لتلك الدسومة والى العباد الفصل والتمييز بين الاشياء فكان فعله اصلاحا من حيث أنه يميز به الطاهر من النجس فأما نجاسة الخمر فلعينها لا لغير اتصل بها وانما تنعدم هذه الصفة بتحولها بطبعها ولا أثر للتخليل في ذلك
وحجتنا في ذلك ما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال أيما اهاب دبغ فقد طهر كالخمر يخلل فيحل ولا يقال قد روى كالخمر تخلل فحل لان الروايتين كالخبرين فيعمل بهما ثم ما رويناه أقرب إلى الصحة لانه شبه دبغ الجلد به والدبغ يكون بصنع العباد لا بطبعه فعرفنا ان المراد التخليل الذى يكون بصنع العباد والمعنى فيه ان هذا صلاح لجوهر فاسد فيكون من الحكمة والشرع أن لا ينهى عما هو حكمة وبيان الوصف أن الخمر جوهر فاسد فاصلاحه بازالة صفة الخمرية عنه والتخليل ازالة لصفة الخمرية فعرفنا انه اصلاح له وهو كدبغ الجلد فان عين الجلد نجس ولهذا لا يجوز بيعه ولو كانت النجاسة بما اتصل به من الدسومات لجوز بيعه كالدسومات النجسة ولكن الدبغ اصلاح له من حيث انه يعصمه عن النتن والفساد فكان جائزا شرعا ولا معنى لما قال ان هذا فساد في الحال لما يلقى فيه لانه هذا موجود في دبغ الجلد فانه افساد لما يجعل فيه من الشب والقرظ وهذا اصلاح باعتبار مآله والعبرة للمآل لا للحال فان القاء البذر في الارض يكون اتلافا للبذر فيالحال ولكنه اصلاح باعتبار مآله وبهذا يتبين أن التخليل ليس بتصرف في الخمر على قصد تمول الخمر بل هو اتلاف لصفة الخمرية وبين تمول الخمر واتلاف صفة الخمرية منافاة فما كان الاقتراب من العين لاتلاف صفة الخمرية الا نظير الاقتراب منها لاراقة العين وذلك جائز شرعا ونحن نسلم أن تقليب الطباع ليس الي العابد وانما إليهم احداث المجاورة ولكن احداث المجاورة بين الخل والخمر بهذه الصفة يقوى على اتلاف صفة الخمرية بتحولها إلى طبع الحل في أسرع الاوقات فكان هذا أقرب إلى الجواز من الامساك وإذا جاز الامساك إلى أن يتخلل فالتخليل أولى بالجواز وأما إذا ألقى فيه شيأ من الحلاوة فذلك ليس باتلاف لصفة الخمرية لانه ليس من طبع الخمر أن يصير حلوا فعرفنا أن معنى الشدة والمرارة قائم فيه وان كان لا يظهر لغلبة الحلاوة عليه فأما من طبع الخمر أن يصير خلا فيكون التخليل اتلافا لصفة الخمرية كما بينا
يوضحه أن من وجه فعليه أحداث المجاورة ومن وجه اتلاف لصفة