المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٦ - كتاب الاشربة
وقد بينا انه كان يمسى خمرا لمعنى مخامرة العقل بطريق المجاز والمجاز لا يعارض الحقيقة وما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كل مسكر خمر لا يكاد يصح فقد قال يحيى بن معين رحمه الله ثلاث لا يصح فيهن حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر في جملتها كل مسكر خمر ثم مراد النبي عليه الصلاة والسلام تشبيه المسكر بالخمر في حكم خاص وهو الحد فقد بعث مبينا للاحكام دون الاسامي ونحن نقول ان المسكر وهو القدح الاخير مشبه للخمر في انه يجب الحد بشربه وعن أبى مسعود الانصاري رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى يوم النحر عام حجة الوداع فاتى بنبيذ من السقاية فلما قربه إلى فيه قطب وجهه ورده قال العباس رضى الله عنه أحرام هذا يا رسول الله فاخذه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا بماء وصب عليه ثم شرب وقال انه إذا استلبث عليكم شئ من الاشربة فاكسروا متونها بالماء فقد كان مشتدا ولهذا قطب وجهه ورده ثم لما خاف أن يظن الناس انه حرام أخذه وشربه فدل أن المشتد من الثلث لا بأس بشربه ولا يقال انما قطب وجهه لحموضته لان شرب السقاية انما كان يتخذ لشرب الحاج ولا يسقى الخل العطشان فعرفنا انه قطب وجهه للشدة والمعنى فيه أن الخمر موعود للمؤمنين في الآخرة قال الله تعالى وأنهار من خمر لذة للشاربين فينبغي أن يكون من جنسه في الدنيا مباحا يعمل عمله ليعمل بالاصابة منه تلك اللذة فيتم الترغيب فيه وما هو مباح في الدنيا يصير كالا نموذج لما هو موعود في دار الآخرة ( ألا ترى ) انه لما وعد الله المؤمنين الشرب في الكأس في الذهب والفضة في الآخرة أحل من جنسه في الدنيا وهو الشرب من الكأس المتخذ من الزجاج والبلور وغير ذلك لهذا المعنى ولهذا الماء وعد المؤمنين الحلية في الآخرة أحل لهم ما هو من جنس ذلك في ذلك وتقرر هذا الحرف من وجه آخر فنقول ان الشرع حرم الخمر ولا شك ان هذه الحرمة لمعنى الابتلاء وانما يتحقق معنى الابتلاء بعد العلم بتلك اللذه ليكون في الامتناع منه عملا بخلاف هوى النفس وتعاطيها للامر وحقيقة تلك اللذة لا تصير معلومة بالوصف بل بالذوق والاصابة فلا بد منأن يكون من جنس ذلك ما هو حلال لتصير تلك اللذة به معلومة بالتجربة فتحقق معنى الابتلاء في تحريم الخمر يعتبر هذا بسائر المحرمات كالزنا وغيره الا أن في الخمر القليل والكثير منه حرام لان قليله يدعو إلى كثيره فأما هذه الاشربة ففيها من الغلظ والكثافة ما لا يدعو قليلها إلى كثيرها فكان القليل منها مباحا مع وصف الشدة والمسكر منها حرام وقد بينا أن