المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٧١ - باب ما يكره أن يفعله بنفسه أو ماله
لك فان شئت فأقر وان شئت فلا تقر وهو في يد القاضى على حاله لم يجز هذا الاقرار لان كينونته في يده حبس منه له وانما كان هدده بالحبس فما دام حابسا له كان أثر ذلك الاكراه باقيا وقوله لا أحبسك نوع غرور وخداع منه فلا ينعدم به أثر ذلك الاكراه ولان الظاهر انه انما أقر لاجل اقراره المتقدم فانه علم أنه لا ينفعه الانكار وانه إذا تناقض كلامه يزداد التشديد عليه بخلاف الاول فهناك قد خلى سبيله وصار بحيث يتمكن منالذهاب ان شاء فينقطع به أثر ذلك الاكراه وان خلى سبيله ولم يتوار عن بصر القاضي حتى بعث من أخذه ورده إليه فأقر بالذى اقر به أول مرة من غير أكراه جديد فان هذا ليس بشئ لانه ما لم يتوار عن بصره فهو متمكن من أخذه وحبسه فيجعل ذلك بمنزلة ما لو كان في يده على حاله وان كان حين رده أول مرة لم يحبسه ولكنه هدده فلما أقر قال انى لست أصنع بك شيأ فان شئت فأقر وان شئت فدع فاقر لم يأخذه بشئ من ذلك لانه ما دام في يده فكأنه محبوس في سجنه فكان أثر التهديد الاول قائما أرأيت لو خلى سبيله ثم بعث معه من يحفظه ثم رده إليه بعد ذلك فأقر أكان يؤخذ بشئ من ذلك أو لا يؤخذ بهد لان يد من يحفظه له كيده في ذلك ولو أكرهه قاض بضرب أو حبس حتى يقر بسرقة أو زنا أو شرب خمر أو قتل فأقر بذلك فاقامه عليه فان كان رجلا معروفا بما أقر به الا أنه لا بينة عليه فالقياس أن يقتص من المكره فيما أمكن القصاص فيه ويضمن من ماله ما لا يستطاع القصاص فيه لان اقراره كان باطلا والاقرار الباطل وجوده كعدمه فبقى هو مباشرا للجناية بغير حق فليزمه القصاص فيما يستطاع فيه القصاص ولكن يستحسن أن يلزمه ضمان جميع ذلك في ماله ويدرأ القصاص لان الرجل إذا كان معروفا بما أقر به على نفسه فالذي يقع في قلب كل سامع انه صادق في اقراره لما أقر به وذلك يورث شبهة والقصاص مما يندرئ بالشبهات ولان على قول أهل المدينة رحمهم الله للامام أن يجبر المعروف بذلك الفعل على الاقرار بالضرب والحبس فان مرتكب الكبيرة قل ما يقر على نفسه طائعا وإذا أقر به مكرها عندهم يصح اقراره وتقام عليه العقوبة فيصير اختلاف العلماء رحمهم شبهة والقاضى مجتهد في ما صنع فهذا اجتهاد في موضعه من وجه فيكون مسقطا للقود عنه ولكن يلزمه المال لان المال مما يثبت مع الشبهات وبالاقرار الباطل لم تسقط حرمة نفسه وأطرافه فيصير ضامنا له مراعاه لحرمة نفسه وطرفه وان كان المكره غير معروف بشئ مما رمى به أخذت فيه بالقياس