المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٦٩ - باب ما يكره أن يفعله بنفسه أو ماله
أشار حذيفة رضى الله عنه حيث قال فتنة السوط أشد من فتنة السيف وكذلك ما دون النفس لو قيل له لتحرقن يدك بالنار أو لتقطعنها بهذا الحديد فقطعها قطعت يد الذى أكرهه ان كان واحد لتحقق الاكراه منه وان كان عددا لم يكن عليهم في يده قود وعليهم دية اليد في أموالهم بخلاف النفس وأصل هذا الفرق في المباشرة حقيقة فانه لو قطع جماعة يد رجل لم يلزمهم القود عندنا ولو قتلوا رجلا كان عليهم القود ويأتى هذا الفرق في كتاب الديات ان شاء الله تعالى ولو أكره بوعيد قتل على أن يطرح ماله في البحر أو على ان يحرق ثيابه أو يكسر متاعه ففعل ذلك فالمكره ضامن لذلك كله لان اتلاف المال مما يصلح أن يكون المكره فيه آلة للمكره فعند تحقق الالجاء يصير الفعل منسوبا للمكره فكأنه باشر الاتلاف بيده والشافعي في هذا لا يخالفنا لان المكره يباح له الاقدام على اتلاف المال سواء كان له أو لغيره وإذا صار الاقدام مباحا له كان هو آلة للمكره فالضمان على المكره خاصة وأصحابه خرجوا له قولين سوى هذا أحدهما أن الضمان يجب على المكره لصاحب المال لانه هو المتلف حقيقة ثم يرجع هو على المكره لانه هو الذى أوقعه في هذه الورطة والثانى أن الضمان عليهم نصفان لان حقيقة الاتلاف وجد من المكره والقصد إلى الاضرار وجد من المكره فكانا بمنزلة الشريكين فيالاتلاف ولكن الاولى أصح لما قلنا وان أكرهه على ذلك بحبس أو قيد ففعله لم يكن على المكره ضمان ولا قود لان المكره انما يصير كالآلة عند تمام الالجاء وهو ما إذا خاف التلف على نفسه وليس في التهديد بالحبس والقيد معنى الخوف التلف على نفسه فيبقى الفعل مقصورا على المكره فيؤاخذ بحكمه وهذا لانه ليس في الحبس والقيد الاهم يلحقه ومن يتلف مال الغير اختيارا فانما يقصد بذلك دفع الغم الذى يلحقه بحسده اياه على ما آتاه الله تعالى من المال فلا يجوز أن يكون ذلك مسقطا للضمان عنه ولو أكرهه بتلف على أن يأكل طعاما له أو يلبس ثوبا له فلبسه مكرها حتى تخرق لم يضمن المكره شيأ لانه ليس بفساد بل أمره أن يصرف مال نفسه إلى حاجته وذلك لا يكون فسادا ( ألا ترى ) أن الاب والوصى يفعلان ذلك للصبي ولا يكون فسادا منهما ثم هذا من وجه أمر بالمعروف فان التقتير وترك الانفاق على نفسه بعد وجود السعة منهى عنه وفى الامر بالمعروف دفع الفساد فعرفنا ان ما أمره به ليس بفساد فلا يكون سببا لوجوب الضمان على المكره بخلاف احراق المال بالنار أو طرحه في الماء فان ذلك فساد لا انتفاع بالمال ولو أكرهه بوعيد قتل على أن يقتل عبده بالسيف أو