المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٣٧ - باب الخيار في الاكراه
بينا أن حرمة الميتة تنكشف عند الضرورة وقد تحققت الضرورة هنا فالتحقت الميتة بالمباح من الطعام كما لو أكره عليه بعينه فان لم يأكل الميتة وقتل المسلم فعليه القود لانه طائع في الاقدام على القتل حين تمكن من دفع البلاء عن نفسه بتناول الميتة وذلك مباح له عند الضرورة وليس في التحرز عن المباح اظهار الصلابة في الدين فلهذا لزمه القود وأشار إلى الفرق بين هذا وبين ما تقدم فقال ( ألا ترى ) أنه لو لم يكفر حتى قتل كان مأجورا ولو لم يأكل الميتة حتى قتل كان آثما إذا كان يعلم أنه يسعه ذلك وقد بينا في أول الكتاب قول ابى يوسف رحمه الله في أنه لا يأثم إذا أمتنع من التناول عند الضرورة وان الاصح ما ذكره في الكتاب من انكشاف الحرمة ولو أكرهه في هذا بوعيد أو سجن أو قيد لم يسعه ان يكفر فان فعل بانت منه امرأته لان الضرورة لم تتحقق فان شرب الخمر عند الاكراه بالحبس ففى القياس عليه الحد لانه لا تأثير للاكراه بالحبس في الافعال فوجوده كعدمه ( ألا ترى ) ان العطشان الذى لا يخاف على نفسه الهلاك إذا شرب الخمر يلزم الحد فالمكره بالحبس قياسه وفى الاستحسان لا حد عليه لان الاكراه لو تحقق به الالجاء صار شرب الخمر مباحا له فإذا وجد جزء منه يصير شبهة كالملك في الحر وفى الجارية المشتركة يصير شبهة في اسقاط الحد عنه بوطئها ولان الاكراه بالحبس معتبر في بعض الاحكام غير معتبر في البعض وحد الخمر ضعيف ثبت باتفاق الصحابة رضى الله عنهم على ما قال علي رضى الله عنه ما من أحد أقيم عليه حدا فيموت فاجد في نفسي من ذلك شيأ الا حد الخمر فانه ثبت بآرائنا فلهذا صار هذا القدر من الاكراه شبهة في اسقاط هذا الحد خاصة وان قتل المسلم قتل به في الوجوه كلها لان الاكراه بالحبس لا أثر له في نسبة الفعل إلى المكره ولا في اباحة القتل فلا يصير الاكراه بالحبس شبهة في اسقاط القود عن القاتل ولو قال له لاقتلنك أو لتقتلن هذا المسلم عمدا أو تزني بهذه المرأة لم يسعه أن يصنع واحدا منهما حتى يقتل فان صنع واحد منهما فهو آثم لان كل واحد من هذين الامرين لا يحل له بالاكراه وان أكره عليه بعينه فكذلك إذا أكره على أحدهما بغير عينه فان أبى أن يفعل واحدا منهما حتى قتل كان مأجورا لانه بذل نفسه في التحرز عن الحرام وقتل بالذى قتله لانه قتله ظلما فعليه القود وان زنا كما أمره ففى القياس عليه الحد وفى الاستحسان عليه المهرومن أصحابنا من قال المراد بالقياس في قول أبى حنيفة رحمه الله الاول وبالاستحسان قوله الآخر كما بينا فيما إذا أكره على الزنا بعينه والاصح ان هذا قياس واستحسان أجريناه على