إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٣ - المرابطة الخامسة
و عن أبي محمد المغازلي قال:جاور أبو محمد الجريري بمكة سنة،فلم ينم،و لم يتكلم،و لم يستند إلى عمود و لا إلى حائط،و لم يمد رجليه.فعبر عليه أبو بكر الكتاني،فسلم عليه و قال له:يا أبا محمد،بم قدرت على اعتكافك هذا؟فقال:علم صدق باطنى فأعاننى على ظاهرى فأطرق الكتاني و مشى مفكرا و عن بعضهم قال:دخلت على فتح الموصلي،فرأيته قد مدّ كفيه يبكى حتى رأيت الدموع تنحدر من بين أصابعه.فدنوت منه،فإذا دموعه قد خالطها صفرة.فقلت و لم باللّه يا فتح بكيت الدم؟فقال لو لا أنك أحلفتنى باللّه ما أخبرتك نعم بكيت دما فقلت له:على ما ذا بكيت الدموع؟فقال على تخلفي عن واجب حق اللّه تعالى.و بكيت الدم على الدموع لئلا يكون ما صحت لي الدموع.قال:فرأيته بعد موته في المنام فقلت:ما صنع اللّه بك؟قال غفر لي.فقلت له فما ذا صنع في دموعك؟فقال:قربني ربي عز و جل و قال لي:يا فتح الدمع على ما ذا؟قلت يا رب على تخلفي عن واجب حقك.فقال و الدم على ما ذا؟قلت على دموعي أن لا تصح لي.فقال لي:يا فتح ما أردت بهذا كله؟و عزتي و جلالي لقد صعد حافظاك أربعين سنة بصحيفتك ما فيها خطيئة و قيل إن قوما أرادوا سفرا،فحادوا عن الطريق،فانتهوا إلى راهب منفرد عن الناس فنادوه،فأشرف عليهم من صومعته،فقالوا يا راهب،إنا قد أخطأنا الطريق،فكيف الطريق؟فأومأ برأسه إلى السماء.فعلم القوم ما أراد.فقالوا يا راهب،إنا سائلوك فهل أنت مجيبنا؟فقال سلوا و لا تكثروا،فإن النهار لن يرجع،و العمر لا يعود،و الطالب حثيث. فعجب القوم من كلامه فقالوا:يا راهب،علام الخلق غدا عند مليكهم؟فقال على نياتهم.فقالوا:أوصنا.فقال:تزودوا على قدر سفركم،فإن خير الزاد ما بلّغ البغية.ثم أرشدهم إلى الطريق،و أدخل رأسه في صومعته و قال عبد الواحد بن زيد :مررت بصومعة راهب من رهبان الصين،فناديته يا راهب فلم يجبني،فناديته الثانية فلم يجبني،فناديته الثالثة فأشرف علي و قال:يا هذا ما أنا براهب، إنما الراهب من رهب اللّه في سمائه،و عظمه في كبريائه،و صبر على بلائه،و رضي بقضائه م ٥:خامس عشر-إحياء