إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٢ - المرابطة الخامسة
بين مضغ الخبز و شرب الفتيت قراءة خمسين آية.و دخل رجل عليه يوما فقال:إن في سقف بيتك جذعا مكسورا.فقال:يا ابن أخي،إن لي في البيت منذ عشرين سنة ما نظرت إلى السقف.و كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام و قال محمد بن عبد العزيز :جلسنا إلى أحمد بن رزين من غدوة إلى العصر،فما التفت يمنة و لا يسرة،فقيل له في ذلك،فقال:إن اللّه عز و جل خلق العينين لينظر بهما العبد إلى عظمة اللّه تعالى.فكل من نظر بغير اعتبار كتبت عليه خطيئة.
و قالت امرأة مسروق:ما كان يوجد مسروق إلا و ساقاه منتفختان من طول الصلاة.
و قالت:و اللّه إن كنت لأجلس خلفه فأبكى رحمة له و قال أبو الدرداء :لو لا ثلاث ما أحببت العيش يوما واحدا:الظمأ للّٰه بالهواجر، و السجود للّٰه في جوف الليل،و مجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر.
و كان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة،و يصوم في الحر،حتى يخضر جسده و يصفر، فكان علقمة بن قيس يقول له:لم تعذب نفسك؟فيقول كرامتها أريد .و كان يصوم حتى يخضر جسده،و يصلى حتى يسقط .فدخل عليه أنس بن مالك و الحسن،فقالا له:إن اللّه عز و جل لم يأمرك بكل هذا.فقال إنما أنا عبد مملوك،لا أدع من الاستكانة شيئا إلا جئت به.و كان بعض المجتهدين يصلى كل يوم ألف ركعة حتى أقعد من رجليه، فكان يصلى جالسا ألف ركعة،فإذا صلى العصر احتبى ثم قال:عجبت للخليقة كيف أرادت بك بدلا منك!عجبت للخليقة كيف أنست بسواك!بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك و كان ثابت البناني قد حببت إليه الصلاة،فكان يقول:اللهم إن كنت أذنت لأحد أن يصلى لك في قبره فأذن لي أن أصلي في قبري.و قال الجنيد :ما رأيت أعبد من السري،أتت عليه ثمان و تسعون سنة ما رؤي مضطجعا إلا في علة الموت.
و قال الحارث بن سعد:مرّ قوم براهب،فرأوا ما يصنع بنفسه من شدة اجتهاده، فكلموه في ذلك فقال:و ما هذا عند ما يراد بالخلق من ملاقاة الأهوال و هم غافلون!قد اعتكفوا على حظوظ أنفسهم،و نسوا حظهم الأكبر من ربهم.فبكى القوم عن آخرهم