إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٦ - الباب الثالث
و إنما يعظم أثر الاحتراق لأن أجزاء النار تغوص في سائر أجزاء البدن،فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهرا و باطنا إلا و تصيبه النار،فتحسه الأجزاء الروحانية المنتشرة في سائر أجزاء اللحم.و أما الجراحة فإنما تصيب الموضع الذي مسه الحديد فقط،فكان لذلك ألم الجرح دون ألم النار.فألم النزع يهجم على نفس الروح، و يستغرق جميع أجزائه،فإنه المنزوع المجذوب من كل عرق من العروق،و عصب من الأعصاب،و جزء من الأجزاء،و مفصل من المفاصل و من أصل كل شعرة و بشرة من الفرق إلى القدم.فلا تسأل عن كربه و ألمه،حتى قالوا إن الموت لأشد من ضرب بالسيف،و نشر بالمناشير،و قرض بالمقاريض .لأن قطع البدن بالسيف إنما يؤلم لتعلقه بالروح،فكيف إذا كان المتناول المباشر نفس الروح.و إنما يستغيث المضروب و يصيح لبقاء قوّته في قلبه و في لسانه.و إنما انقطع صوت الميت و صياحه مع شدة ألمه لأن الكرب قد بالغ فيه،و تصاعد على قلبه،و بلغ كل موضع منه،فهدّ كل قوة،و ضعف كل جارحة،فلم يترك له قوة الاستغاثة.أما العقل فقد غشيه و شوّشه.و أما اللسان فقد أبكمه .و أما الأطراف فقد ضعفها.و يود لو قدر على الاستراحة بالأنين و الصياح و الاستغاثة،و لكنه لا يقدر على ذلك.فإن بقيت فيه قوة سمعت له عند نزع الروح و جذبها خوارا و غرغرة من حلقه و صدره،و قد تغير لونه و أربد،حتى كأنه ظهر منه التراب الذي هو أصل فطرته،و قد جذب منه كل عرق على حياله.فالألم منتشر في داخله و خارجه حتى ترتفع الحدقتان إلى أعالى أجفانه،و تتقلص الشفتان، و يتقلص اللسان إلى أصله،و ترتفع الانثيان إلى أعالى موضعهما،و تخضر أنامله.
فلا تسل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه.و لو كان المجذوب عرقا واحدا لكان ألمه عظيما،فكيف و المجذوب نفس الروح المتألم،لا من عرق واحد،بل من جميع العروق.ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجا،فتبرد أولا قدماه،ثم ساقاه،ثم فخذاه .و لكل عضو سكرة بعد سكرة،و كربة بعد كربة،حتى يبلغ بها إلى الحلقوم،فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا و أهلها،و يغلق دونه باب التوبة،