إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩ - المقام الأول من المرابطة
عن واقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضي حق اللّه فيها.فعليه أن يشترط على نفسه الاستقامة فيها،و الانقياد للحق في مجاريها،و يحذّرها مغبة الإهمال ،و يعظها كما يوعظ العبد الآبق المتمرد،فإن النفس بالطبع متمردة عن الطاعات،مستعصية عن العبودية،و لكن الوعظ و التأديب يؤثر فيها،و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
فهذا و ما يجرى مجراه هو أول مقام المرابطة مع النفس،و هي محاسبة قبل العمل و المحاسبة تارة تكون بعد العمل،و تارة قبله للتحذير.قال اللّه تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [١]و هذا للمستقبل.و كل نظر في كثرة و مقدار لمعرفة زيادة و نقصان فإنه يسمى محاسبة.فالنظر فيما بين يدي العبد في نهاره ليعرف زيادته من نقصانه من المحاسبة.و قد قال اللّه تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا [٢]و قال تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [٣]و قال تعالى وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ وَ نَعْلَمُ مٰا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [٤]ذكر ذلك تحذيرا و تنبيها للاحتراز منه في المستقبل.و روى[١]عبادة بن الصامت،أنه عليه السلام قال لرجل سأله أن يوصيه و يعظه«إذا أردت أمرا فتدبّر عاقبته فإن كان رشدا فامضه و إن كان غيّا فانته عنه» و قال بعض الحكماء:إذا أردت أن يكون العقل غالبا للهوى فلا تعمل بقضاء الشهوة حتى تنظر العاقبة،فإن مكث الندامة في القلب أكثر من مكث خفة الشهوة.و قال لقمان:
إن المؤمن إذا أبصر العافية أمن الندامة.
و روى شداد بن أوس عنه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال[٢]«الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت و الأحمق من أتبع نفسه هواها و تمنّى على اللّه»دان نفسه أي حاسبها.و يوم الدين يوم الحساب.و قوله أَ إِنّٰا لَمَدِينُونَ [٥]أي لمحاسبون و قال عمر رضي اللّه عنه:حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا،و زنوها قبل أن توزنوا، و تهيؤا للعرض الأكبر .و كتب إلى أبي موسى الأشعري:حاسب نفسك في الرخاء قبل
[١] البقرة:٢٣٥
[٢] النساء:٩٤
[٣] الحجرات:٦
[٤] ق:١٦
[٥] الصافات:٥٢