إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٥ - و أما النوع الرابع و هو المنجيات
فإنه قد كان معمورا قبلي،و كذلك يكون بعدي.و لو مت لم تنهدم أركان الإسلام فإن الدين مستغن عنى.و أما أنا فلست مستغنيا عن إصلاح قلبي.و أما أداء ذلك إلى اندراس العلم فخيال يدل على غاية الجهل،فإن الناس لو حبسوا في السجن،و قيدوا بالقيود، و توعدوا بالنار على طلب العلم ،لكان حب الرئاسة و العلو يحملهم على كسر القيود،و هدم حيطان الحصون،و الخروج منها،و الاشتغال بطلب العلم.فالعلم لا يندرس ما دام الشيطان يحبب إلى الخلق الرئاسة،و الشيطان لا يفتر عن عمله إلى يوم القيامة،بل ينتهض لنشر العلم أقوام لا نصيب لهم في الآخرة،كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١] «إنّ اللّه يؤيّد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم»[٢]«و إنّ اللّه ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر». فلا ينبغي أن يغتر العالم بهذه التلبيسات فيشتغل بمخالطة الخلق.
حتى يتربى في قلبه حب الجاه و الثناء و التعظيم،فإن ذلك بذر النفاق.قال صلى اللّه عليه و سلم[٣]«حبّ الجاه و المال ينبت النّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[٤]«ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر إفسادا فيها من حبّ الجاه و المال في دين المرء المسلم» و لا ينقلع حب الجاه من القلب إلا بالاعتزال عن الناس،و الهرب من مخالطتهم،و ترك كل ما يزيد جاهه في قلوبهم.فليكن فكر العالم في التفطن لخفايا هذه الصفات من قلبه، و في استنباط طريق الخلاص منها،و هذه وظيفة العالم المتقي.
فأما أمثالنا فينبغي أن يكون تفكرنا فيما يقوى إيماننا بيوم الحساب،إذ لو رآنا السلف الصالحون:لقالوا قطعا إن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب،فما أعمالنا أعمال من يؤمن بالجنة و النار،فإن من خاف شيئا هرب منه،و من رجا شيئا طلبه،و قد علمنا أن الهرب من النار بترك الشبهات و الحرام،و بترك المعاصي،و نحن منهمكون فيها، و أن طلب الجنة بتكثير نوافل الطاعات، و نحن مقصرون في الفرائض منها،فلم يحصل لنا