إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٤ - و أما النوع الرابع و هو المنجيات
أو بالوعظ.و من فعل ذلك تصدى لفتنة عظيمة،لا ينجو منها إلا الصديقون.فإنه إن كان كلامه مقبولا حسن الوقع في القلوب،لم ينفك عن الإعجاب و الخيلاء،و التزين و التصنع و ذلك من المهلكات.و إن ردّ كلامه لم يخل عن غيظ و أنفة و حقد على من يرده،و هو أكثر من غيظه على من يرد كلام غيره.و قد يلبّس الشيطان عليه و يقول:إن غيظك من حيث إنه ردّ الحق و أنكره.فإن وجد تفرقة بين أن يرد عليه كلامه أو يرد على عالم آخر فهو مغرور و ضحكة للشيطان.ثم مهما كان له ارتياح بالقبول،و فرح بالثناء،و استنكاف من الرد أو الإعراض،لم يخل عن تكلف و تصنع لتحسين اللفظ و الإيراد،حرصا على استجلاب الثناء،و اللّه لا يحب المتكلفين.و الشيطان قد يلبّس عليه و يقول:إنما حرصك على تحسين الألفاظ و التكلف فيها لينتشر الحق،و يحسن موقعه في القلب،إعلاء لدين اللّه فإن كان فرحه بحسن ألفاظه و ثناء الناس عليه أكثر من فرحه بثناء الناس على واحد من أقرانه فهو مخدوع.و إنما يدورون حول طلب الجاه،و هو يظن أن مطلبه الدين.و مهما اختلج ضميره بهذه الصفات ظهر على ظاهره ذلك،حتى يكون للموقر له المعتقد لفضله أكثر احتراما،و يكون بلقائه أشد فرحا و استبشارا ممن يغلو في موالاة غيره،و إن كان ذلك الغير مستحقا للموالاة و ربما ينتهى الأمر بأهل العلم إلى أن يتغايروا تغاير النساء فيشق على أحدهم أن يختلف بعض تلامذته إلى غيره،و إن كان يعلم أنه منتفع بغيره،و مستفيد منه في دينه و كل ذلك رشح الصفات المهلكات المستكنة في سر القلب،التي قد يظن العالم النجاة منها و هو مغرور فيها.و إنما ينكشف ذلك بهذه العلامات.ففتنة العالم عظيمة، و هو إما مالك و إما هالك،و لا مطمع له في سلامة العوام.فمن أحس في نفسه بهذه الصفات فالواجب عليه العزلة،و الانفراد،و طلب الخمول،و المدافعة للفتاوى مهما سئل، فقد كان المسجد يحوى في زمن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم جمعا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،كلهم مفتون،و كانوا يتدافعون الفتوى،و كل من كان يفتي كان يود أن يكفيه غيره. و عند هذا ينبغي أن يتّقى شياطين الإنس إذا قالوا لا تفعل هذا،فإن هذا الباب لو فتح لاندرست العلوم من بين الخلق،و ليقل لهم:إن دين الإسلام مستغن عنى