إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٣ - المرابطة السادسة
و كلح الوجوه،و بشرى بالعذاب؟فهل ينفعك حينئذ الندم أو يقبل منك الحزن أو يرحم منك البكاء؟ و العجب كل العجب منك يا نفس أنك مع هذا تدّعين البصيرة و الفطنة.و من فطنتك أنك تفرحين كل يوم بزيادة مالك،و لا تحزنين بنقصان عمرك،و ما نفع مال يزيد و عمر ينقص ويحك يا نفس،تعرضين عن الآخرة و هي مقبلة عليك،و تقبلين على الدنيا و هي معرضة عنك فكم من مستقبل يوما لا يستكمله،و كم من مؤمل لغد لا يبلغه.فأنت تشاهدين ذلك في إخوانك،و أقاربك،و جيرانك،فترين تحسرهم عند الموت ثم لا ترجعين عن جهالتك.فاحذرى أيتها النفس المسكينة يوما آلى اللّه فيه على نفسه أن لا يترك عبدا أمره في الدنيا و نهاه حتى يسأله عن عمله،دقيقه و جليله،سره و علانيته .فانظرى يا نفس بأي بدن تقفين بين يدي اللّه،و بأي لسان تجيبين،و أعدّى للسؤال جوابا،و للجواب صوابا،و اعملي بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال،و في دار زوال لدار مقامة،و في دار حزن و نصب لدار نعيم و خلود.اعملي قبل أن لا تعملي،اخرجي من الدنيا اختيارا خروج الأحرار قبل أن تخرجي منها على الاضطرار،و لا تفرحى بما يساعدك من زهرات الدنيا،فرب مسرور مغبون ،و رب مغبون لا يشعر.فويل لمن له الويل ثم لا يشعر يضحك و يفرح،و يلهو و يمرح،و يأكل و يشرب،و قد حق له في كتاب اللّه أنه من وقود النار.فليكن نظرك يا نفس إلى الدنيا اعتبارا.و سعيك لها اضطرارا،و رفضك لها اختيارا،و طلبك للآخرة ابتدارا.و لا تكوني ممن يعجز عن شكر ما أوتي،و يبتغى الزيادة فيما بقي،و ينهى الناس و لا ينتهى،و اعلمي يا نفس أنه ليس للدين عوض،و لا للإيمان بدل، و لا للجسد خلف.و من كانت مطيته الليل و النهار فإنه يسار به و إن لم يسر فاتّعظى يا نفس بهذه الموعظة،و اقبلى هذه النصيحة،فإن من أعرض عن الموعظة فقد رضي بالنار،و ما أراك بها راضية،و لا لهذه الموعظة واعية.فإن كانت القساوة تمنعك عن قبول الموعظة،فاستعيني عليها بدوام التهجد و القيام ،فإن لم تزل فبالمواظبة على الصيام،فإن لم تزل فبقلة المخالطة و الكلام،فإن لم تزل فبصلة الأرحام و اللطف بالأيتام،فإن لم تزل فاعلمي أن اللّه قد طبع على قلبك و أقفل عليه،و أنه قد تراكمت ظلمة الذنوب على ظاهره و باطنه،