إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٠ - المرابطة السادسة
و مجاهداتك أيضا هو مستغن عنها،و إنما هي طريقك إلى نجاتك.فمن أحسن فلنفسه، و من أساء فعليها،و اللّه غني عن العالمين.
ويحك يا نفس انزعى عن جهلك ،و قيسى آخرتك بدنياك،فما خلقكم و لا بعثكم إلا كنفس واحدة،و كما بدأنا أول خلق نعيده،و كما بدأكم تعودون،و سنة اللّه تعالى لا تجدين لها تبديلا و لا تحويلا.ويحك يا نفس ما أراك إلا ألفت الدنيا و أنست بها،فعسر عليك مفارقتها و أنت مقبلة على مقاربتها،و تؤكدين في نفسك مودتها،فاحسبي أنك غافلة عن عقاب اللّه و ثوابه،و عن أهوال القيامة و أحوالها،فما أنت مؤمنة بالموت المفرق بينك و بين محابك.أ فترين أن من يدخل دار ملك ليخرج من الجانب الآخر،فمدّ بصره إلى وجه مليح يعلم أنه يستغرق ذلك قلبه،ثم يضطر لا محالة إلى مفارقته،أ هو معدود من العقلاء أم من الحمقى،أما تعلمين أن الدنيا دار لملك الملوك،و مالك فيها إلا مجاز ،و كل ما فيها لا يصحب المجتازين بها بعد الموت،و لذلك قال سيد البشر صلى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت فإنّك مفارقه و اعمل ما شئت فإنّك مجزىّ به و عش ما شئت فإنّك ميّت» ويحك يا نفس أ تعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا.و يأنس بها مع أن الموت من ورائه،فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة،و إنما يتزوّد من السم المهلك و هو لا يدرى أو ما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا و علوا،ثم ذهبوا و خلوا،و كيف أورث اللّه أرضهم و ديارهم أعداءهم؟أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون،و يبنون ما لا يسكنون و يؤملون ما لا يدركون؟ يبنى كل واحد قصرا مرفوعا إلى جهة السماء،و مقره قبر محفور تحت الأرض.فهل في الدنيا حمق و انتكاس أعظم من هذا؟يعمر الواحد دنياه و هو مرتحل عنها يقينا،و يخرب آخرته و هو صائر إليها قطعا؟أ ما تستحيين يا نفس من مساعدة هؤلاء الحمقى على حماقتهم؟ و احسبي أنك لست ذات بصيرة تهتدى إلى هذه الأمور،و إنما تميلين بالطبع إلى التشبه و الافتداء،فقيسى عقل الأنبياء،و العلماء،و الحكماء،بعقل هؤلاء المكبين على الدنيا