إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٩ - المرابطة السادسة
فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة كيف يطيق ألم عذاب اللّه!ما أراك تتوانين عن النظر لنفسك إلا لكفر خفيّ،أو لحمق جليّ.أما الكفر الخفيّ فهو ضعف إيمانك بيوم الحساب، و قلة معرفتك بعظم قدر الثواب و العقاب و أما الحمق الجلي فاعتمادك على كرم اللّه تعالى و عفوه،من غير التفات إلى مكره،و استدراجه،و استغنائه عن عبادتك،مع أنك لا تعتمدين على كرمه في لقمة من الخبز،أو حبة من المال،أو كلمة واحدة تسمعينها من الخلق،بل تتوصلين إلى غرضك في ذلك بجميع الحيل.و بهذا الجهل تستحقين لقب الحماقة من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حيث قال«الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَ عَمِلَ لمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَ الْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسهُ هَوَاهَا وَ تَمَنَّى عَلَى اللّٰهِ الْأمَانِىَّ» ويحك يا نفس،لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا،و لا يغرنك باللّه الغرور،فانظرى لنفسك فما أمرك بمهم لغيرك،و لا تضيعى أوقاتك فالأنفاس معدودة،فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك،فاغتنمى الصحة قبل السقم،و الفراغ قبل الشغل،و الغنى قبل الفقر،و الشباب قبل الهرم،و الحياة قبل الموت،و استعدى للآخرة على قدر بقائك فيها يا نفس أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته،فتجمعين له القوت،و الكسوة و الحطب و جميع الأسباب، و لا تتّكلين في ذلك على فضل اللّه و كرمه،حتى يدفع عنك البرد من غير جبة،و لبد،و حطب و غير ذلك،فإنه قادر على ذلك،أ فتظنين أيتها النفس أن زمهرير جهنم أخف بردا،و أقصر مدة من زمهرير الشتاء؟أم تظنين أن ذلك دون هذا كلاّ أن يكون هذا كذلك،أو أن يكون بينهما مناسبة في الشدة و البرودة.أ فتظنين أن العبد ينجو منها بغير سعي؟هيهات،كما لا يدفع برد الشتاء إلا بالجبة و النار و سائر الأسباب فلا يندفع حر النار و بردها إلا بحصن التوحيد و خندق الطاعات .و إنما كرم اللّه تعالى في أن عرفك طريق التحصن،و يسر لك أسبابه،لا في أن يدفع عنك العذاب دون حصنه كما أن كرم اللّه تعالى في دفع برد الشتاء أن خلق النار،و هداك لطريق استخراجها من بين حديدة و حجر حتى تدفعي بها برد الشتاء عن نفسك،و كما أن شراء الحطب و الجبة مما يستغنى عنه خالقك و مولاك،و إنما تشترينه لنفسك إذ خلقه سببا لاستراحتك،فطاعاتك م ٧:خامس عشر-إحياء