إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤١ - المرابطة الخامسة
و هذا النهار قد أسفر،فليت شعري أقبلت منى ليلتي فأهنأ،أم رددتها عليّ فأعزى؟و عزتك لهذا دأبي و دأبك ما أبقيتني.و عزتك لو انتهرتني عن بابك ما برحت لما وقع في نفسي من جودك و كرمك.و يروى عن عجرة أنها كانت تحيي الليل،و كانت مكفوفة البصر،فإذا كان في السحر نادت بصوت لها محزون،إليك قطع العابدون دجى الليالي يستبقون إلى رحمتك و فضل مغفرتك،فبك يا إلهى أسألك لا بغيرك أن تجعلني في أول زمرة السابقين،و أن ترفعني لديك في عليين في درجة المقربين،و أن تلحقني بعبادك الصالحين فأنت أرحم الرحماء، و أعظم العظماء،و أكرم الكرماء يا كريم.ثم تخر ساجدة فيسمع لها وجبة،ثم لا تزال تدعو و تبكي إلى الفجر.و قال يحيي بن بسطام:كنت أشهد مجلس شعوانة،فكنت أرى ما تصنع من النياحة و البكاء،فقلت لصاحب لي.لو أتيناها إذا خلت فأمرناها بالرفق بنفسها؟فقال أنت و ذاك قال فأتيناها فقلت لها:لو رفقت.بنفسك و أقصرت عن هذا البكاء شيئا فكان لك أقوى على ما تريدين؟قال فبكت ثم قالت:و اللّه لوددت أنى أبكى حتى تنفد دموعي،ثم أبكى دما حتى لا تبقى قطرة من دم في جارحة من جوارحي،و أنى لي بالبكاء،و أنى لي بالبكاء.فلم تزل تردد و أنى لي بالبكاء،حتى غشي عليها.
و قال محمد بن معاذ:حدثتني امرأة من المتعبدات قالت:رأيت في منامي كأنى أدخلت الجنة،فإذا أهل الجنة قيام على أبوابهم،فقلت ما شأن أهل الجنة قيام؟فقال لي قائل.خرجوا ينظرون إلى هذه المرأة التي زخرفت الجنان لقدومها.فقلت و من هذه المرأة؟فقيل أمة سوداء من أهل الأيكة يقال لها شعوانة.قالت فقلت أختى و اللّه.قالت فبينما أنا كذلك إذ أقبل بها على نجيبة تطير بها في الهواء،فلما رأيتها ناديت يا أختى أما ترين مكانى من مكانك فلو دعوت لي مولاك فألحقنى بك،قالت فتبسمت إليّ و قالت لم يأن لقدومك و لكن احفظى عن اثنتين،ألزمى الحزن قلبك،و قدمي محبة اللّه على هواك و لا يضرك متى مت و قال عبد اللّه بن الحسن:كانت لي جارية رومية،و كنت بها معجبا، فكانت في بعض الليالي نائمة إلى جنبي،فانتبهت فالتمستها فلم أجدها،فقمت أطلبها فإذا هي ساجدة و هي تقول.بحبك لي ألا ما غفرت لي ذنوبي.فقلت لها:لا تقولي بحبك لي،