إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٠ - المرابطة الخامسة
ليخمل ذكره و يعيش فردا
و يظهر في العبادة بالأمانى
تلذذه التلاوة أين ولى
و ذكر بالفؤاد و باللسان
و عند الموت يأتيه بشير
يبشر بالنجاة من الهوان
فيدرك ما أراد و ما تمنى
من الراحات في غرف الجنان
و كان كرز بن وبرة يختم القرءان في كل يوم ثلاث مرات.و يجاهد نفسه في العبادات غاية المجاهدة،فقيل له:قد أجهدت نفسك.فقال:كم عمر الدنيا؟فقيل:سبعة آلاف سنة فقال:كم مقدار يوم القيامة؟فقيل:خمسون ألف سنة فقال:كيف يعجز أحدكم أن يعمل سبع يوم حتى يأمن ذلك اليوم!يعنى أنك لو عشت عمر الدنيا،و اجتهدت سبعة آلاف سنة،و تخلصت من يوم واحد كان مقداره خمسين ألف سنة،لكان ربحك كثيرا، و كنت بالرغبة فيه جديرا.فكيف و عمرك قصير،و الآخرة لا غاية لها فهكذا كانت سيرة السلف الصالحين في مرابطة النفس و مراقبتها.فمهما تمردت نفسك عليك،و امتنعت من المواظبة على العبادة،فطالع أحوال هؤلاء،فإنه قد عز الآن وجود مثلهم.و لو قدرت على مشاهدة من اقتدى بهم فهو أنجع في القلب،و أبعث على الاقتداء فليس الخبر كالمعاينة.و إذا عجزت عن هذا فلا تغفل عن سماع أحوال هؤلاء،فإن لم تكن إبل فمعزى،و خيّر نفسك بين الاقتداء بهم و الكون في زمرتهم و غمارهم،و هم العقلاء و الحكماء و ذوو البصائر في الدين،و بين الاقتداء بالجهلة الغافلين من أهل عصرك.و لا ترضى لها أن تنخرط في سلك الحمقى،و تقنع بالتشبه بالأغبياء،و تؤثر مخالفة العقلاء،فإن حدثتك نفسك بأن هؤلاء رجال أقوياء لا يطاق الافتداء بهم،فطالع أحوال النساء المجتهدات و قل لها يا نفس لا تستنكفى أن تكوني أقل من امرأة،فأخسس برجل يقصر عن امرأة في أمر دينها و دنياها و لنذكر الآن نبذة من أحوال المجتهدات.فقد روي عن حبيبة العدوية أنها كانت إذا صلت العتمة قامت على سطح لها،و شدت عليها درعها و خمارها،ثم قالت.إلهى قد غارت النجوم،و نامت العيون،و غلقت الملوك أبوابها،و خلا كل حبيب بحبيبه،و هذا مقامى بين يديك.ثم تقبل على صلاتها.فإذا طلع الفجر قالت:إلهى هذا الليل قد أدبر،