إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٨ - المرابطة الخامسة
بأعلى صوته:عند الصباح يحمد القوم السري و قال بعض الحكماء:إن للّٰه عبادا أنعم عليهم فعرفوه،و شرح صدورهم فأطاعوه، و توكلوا عليه فسلموا الخلق و الأمر إليه،فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين،و بيوتا للحكمة،و توابيت للعظمة،و خزائن للقدرة،فهم بين الخلق مقبلون و مدبرون،و قلوبهم تجول في الملكوت،و تلوذ بمحجوب الغيوب،ثم ترجع و معها طوائف من لطائف الفوائد،و ما لا يمكن واصفا أن يصفه،فهم في باطن أمورهم كالديباج حسنا،و هم في الظاهر مناديل مبذولون لمن أرادهم تواضعا.و هذه طريقة لا يبلغ إليها بالتكلف،و إنما هو فضل اللّه يؤتيه من يشاء و قال بعض الصالحين:بينما أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس،إذ هبطت إلى واد هناك،فإذا أنا بصوت قد علا،و إذا تلك الجبال تجيبه لها دوي عال.فاتبعت الصوت، فإذا أنا بروضة عليها شجر ملتف،و إذا أنا برجل قائم فيها يردد هذه الآية يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [١]إلى قوله وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّٰهُ نَفْسَهُ [٢]قال فجلست خلفه أسمع كلامه و هو يردد هذه الآية إذ صاح صيحة خر مغشيا عليه.فقلت وا أسفاه، هذا لشقائى.ثم انتظرت إفاقته،فأفاق بعد ساعة،فسمعته و هو يقول:أعوذ بك من مقام الكذابين،أعوذ بك من أعمال البطالين،أعوذ بك من إعراض الغافلين.ثم قال:
لك خشعت قلوب الخائفين،و إليك فزعت آمال المقصّرين،و لعظمتك ذلت قلوب العارفين ثم نفض يده فقال:مالى و للدنيا،و ما للدنيا ولى.عليك يا دنيا بأبناء جنسك،و ألاف نعيمك،إلى محبيك فاذهبي،و إياهم فاخدعى.ثم قال:أين القرون الماضية،و أهل الدهور السالفة،في التراب يبلون،و على الزمان يفنون.فناديته يا عبد اللّه،أنا منذ اليوم خلفك أنتظر فراغك.فقال:و كيف يفرغ من يبادر الأوقات و تبادره،يخاف سبقها بالموت إلى نفسه!أم كيف يفرغ من ذهبت أيامه و بقيت آثامه!ثم قال:أنت لها و لكل شدة أتوقع نزولها.ثم لها عنى ساعة و قرأ وَ بَدٰا لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ مٰا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [٣]ثم صاح صيحة أخرى أشد من الأولى،و خر مغشيا عليه،فقلت قد خرجت روحه.
[١] آل عمران:٣٠
[٢] آل عمران:٣٠
[٣] الزمر:٤٧