إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٩ - المرابطة الخامسة
فدنوت منه فإذا هو يضطرب،ثم أفاق و هو يقول:من أنا؟ما خاطرى؟هب لي إساءتى من فضلك،و جللني لسترك،و اعف عن ذنوبي بكرم وجهك إذا وقفت بين يديك.فقلت له:بالذي ترجوه لنفسك و تثق به إلا كلمتنى فقال:عليك بكلام من ينفعك كلامه،و دع كلام من أوبقته ذنوبه.إنى لفي هذا الموضع مذ شاء اللّه أجاهد إبليس و يجاهدنى،فلم يجد عونا علي ليخرجنى مما أنا فيه غيرك.فإليك عنى يا مخدوع،فقد عطلت عليّ لساني،و ميلت إلى حديثك شعبة من قلبي.و أنا أعوذ باللّه من شرك،ثم أرجو أن يعيذني من سخطه، و يتفضل عليّ برحمته.قال:فقلت هذا وليّ اللّه أخاف أن أشغله فأعاقب في موضعى هذا.فانصرفت و تركته و قال بعض الصالحين:بينما أنا أسير في مسير لي،إذ ملت إلى شجرة لأستريح تحتها فإذا أنا بشيخ قد أشرف عليّ فقال لي:يا هذا قم،فإن الموت لم يمت،ثم هام على وجهه فاتبعته،فسمعته و هو يقول كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ الْمَوْتِ [١]اللهم بارك لي في الموت.
فقلت و فيما بعد الموت.فقال:من أيقن بما بعد الموت شمر مئزر الحذر،و لم يكن له في الدنيا مستقر.ثم قال:يا من لوجهه عنت الوجوه،بيض وجهي بالنظر إليك،و املأ قلبي من المحبة لك،و أجرنى من ذل التوبيخ غدا عندك،فقد آن لي الحياء منك،و حان لي الرجوع عن الإعراض عنك.ثم قال:لو لا حلمك لم يسعني أجلى،و لو لا عفوك لم ينبسط فيما عندك ملى...ثم مضى و تركني.و قد أنشدوا في هذا المعنى
نحيل الجسم مكتئب الفؤاد تراه بقمة أو بطن وادي
ينوح على معاص فاضحات يكدر ثقلها صفو الرقاد
فإن هاجت مخاوفه و زادت فدعوته أغثنى يا عمادى
فأنت بما ألاقيه عليم كثير الصفح عن زلل العباد
و قيل أيضا
ألذ من التلذذ بالغوانى إذا أقبلن في حلل حسان
منيب فر من أهل و مال يسيح إلى مكان من مكان
[١] آل عمران:١٨٥