إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥ - بيان
فرفع رأسه إليّ و قال:يا ابن خفيف،نحن أصحاب المصائب،ليس لنا لسان العظة فبقيت عندهما ثلاثة أيام لا آكل و لا أشرب و لا أنام،و لا رأيتهما أكلا شيئا و لا شربا.فلما كان اليوم الثالث قلت في سرى:أحلفهما أن يعظانى لعلى أن أنتفع بعظتهما.فرفع الشاب رأسه و قال لي:
يا ابن خفيف،عليك بصحبة من يذكّرك اللّه رؤيته،و تقع هيبته على قلبك،يعظك بلسان فعله،و لا يعظك بلسان قوله و السلام،قم عنا. فهذه درجة المراقبين الذين غلب على قلوبهم الإجلال و التعظيم،فلم يبق فيهم متسع لغير ذلك الدرجة الثانية:مراقبة الورعين من أصحاب اليمين،و هم قوم غلب يقين اطلاع اللّه على ظاهرهم و باطنهم على قلوبهم،و لكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال،بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال،متسعة للتلفت إلى الأحوال و الأعمال،إلا أنها مع ممارسة الأعمال لا تخلو عن المراقبة نعم غلب عليهم الحياء من اللّه فلا يقدمون و لا يحجمون إلا بعد التثبت فيه، و يمتنعون عن كل ما يفتضحون به في القيامة،فإنهم يرون اللّه في الدنيا مطلعا عليهم فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة و تعرف اختلاف الدرجتين بالمشاهدات،فإنك في خلوتك قد تتعاطى أعمالا،فيحضرك صبي أو امرأة،فتعلم أنه مطلع عليك،فتستحيي منه،فتحسن جلوسك،و تراعى أحوالك لا عن إجلال و تعظيم،بل عن حياء.فإن مشاهدته و إن كانت لا تدهشك و لا تستغرقك فإنها تهيج الحياء منك.و قد يدخل عليك ملك من الملوك،أو كبير من الأكابر،فيستغرقك التعظيم حتى تترك كل ما أنت فيه شغلا به،لا حياء منه فهكذا تختلف مراتب العباد في مراقبة اللّه تعالى.و من كان في هذه الدرجة فيحتاج أن يراقب جميع حركاته،و سكناته،و خطراته،و لحظاته،و بالجملة جميع اختياراته و له فيها نظران،نظر قبل العمل ،و نظر في العمل أما قبل العمل فلينظر أن ما ظهر له و تحرك بفعله خاطره،أ هو للّٰه خاصة؟أو هو في هوى النفس و متابعة الشيطان فيتوقف فيه و يتثبت،حتى ينكشف له ذلك بنور الحق؟فإن كان للّٰه تعالى أمضاه و إن كان لغير اللّه استحيا من اللّه و انكف عنه،ثم لام نفسه على رغبته فيه،