إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦ - بيان
و همه به،و ميله إليه،و عرفها سوء فعلها،و سعيها في فضيحتها،و أنها عدوة نفسها إن لم يتداركها اللّه بعصمته،و هذا التوقف في بداية الأمور إلى حد البيان واجب محتوم لا محيص لأحد عنه،فإن في الخبر أنه[١]ينشر للعبد في كل حركة من حركاته و إن صغرت ثلاثة دواوين، الديوان الأوّل لم؟و الثاني كيف؟و الثالث لمن؟ و معنى لم أي لم فعلت هذا؟أ كان عليك أن تفعله لمولاك أو ملت إليه بشهوتك و هواك؟فإن سلم منه بأن كان عليه أن يعمل ذلك لمولاه سئل عن الديوان الثاني،فقيل له كيف فعلت هذا؟فإن للّٰه في كل عمل شرطا و حكما لا يدرك قدره،و وقته،و صفته إلا بعلم،فيقال له كيف فعلت،أ بعلم محقق،أم بجهل و ظن؟فإن سلم من هذا نشر الديوان الثالث،و هو المطالبة بالإخلاص،فيقال له:لمن عملت؟أ لوجه اللّه خالصا وفاء بقولك لا إله إلا اللّه،فيكون أجرك على اللّه؟أو لمرآة خلق مثلك،فخذ أجرك منه أم عملته لتنال عاجل دنياك،فقد وفيناك نصيبك من الدنيا،أم عملته بسهو و غفلة، فقد سقط أجرك،و حبط عملك،و خاب سعيك و إن عملت لغيري فقد استوجبت مقتى و عقابي،إذ كنت عبدا لي،تأكل رزقي،و تترفه بنعمتي،ثم تعمل لغيري.أما سمعتني أقول إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ عِبٰادٌ أَمْثٰالُكُمْ [١]إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ لاٰ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللّٰهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ [٢]ويحك،أما سمعتني أقول أَلاٰ لِلّٰهِ الدِّينُ الْخٰالِصُ [٣]فإذا عرف العبد أنه بصدد هذه المطالبات و التوبيخات طالب نفسه قبل أن تطالب، و أعد للسؤال جوابا،و ليكن الجواب صوابا،فلا يبدئ و لا يعيد إلا بعد التثبت،و لا يحرك جفنا و لا أنملة إلا بعد التأمل.و قد قال النبي صلى اللّه عليه و سلم لمعاذ [٢]«إنّ الرّجل ليسأل عن كحل عينيه و عن فتّه الطّين بإصبعيه و عن لمسه ثوب أخيه» و قال الحسن :كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة نظر و تثبت،فإن كان للّٰه أمضاه.
و قال الحسن:رحم اللّه تعالى عبدا وقف عند همه،فإن كان للّٰه مضى،و إن كان لغيره تأخر
[١] الأعراف:١٩٤
[٢] العنكبوت:١٧
[٣] الزمر:٣