إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣١ - الباب الثالث
أغلقه.فرجع ذات يوم فإذا برجل في جوف البيت،فقال من أدخلك دارى؟فقال أدخلنيها ربها.فقال أنا ربها.فقال أدخلنيها من هو أملك بها منى و منك.فقال من أنت من الملائكة؟قال أنا ملك الموت.قال هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح المؤمن؟قال نعم فأعرض عنى،فأعرض ثم التفت فإذا هو بشاب،فذكر من حسن وجهه و حسن ثيابه و طيب ريحه،فقال يا ملك الموت،لو لم يلق المؤمن عند الموت إلا صورتك كان حسبه و منها مشاهدة الملكين الحافظين.قال وهيب:بلغنا أنه ما من ميت يموت حتى يتراءى له ملكاه الكاتبان عمله.فإن كان مطيعا قالا له.جزاك اللّه عنا خيرا،فرب مجلس صدق أجلستنا،و عمل صالح أحضرتنا،و إن كان فاجرا قالا له لا جزاك اللّه عنا خيرا فرب مجلس سوء أجلستنا،و عمل غير صالح أحضرتنا،و كلام قبيح أسمعتنا،فلا جزاك اللّه عنا خيرا.
فذلك شخوص بصر الميت إليهما،و لا يرجع إلى الدنيا أبدا الداهية الثالثة:مشاهدة العصاة مواضعهم من النار،و خوفهم قبل المشاهدة.فإنهم في حال السكرات قد تخاذلت قواهم،و استسلمت للخروج أرواحهم ،و لن تخرج أرواحهم ما لم يسمعوا نغمة ملك الموت بأحد البشريين،إما أبشر يا عدوّ اللّه بالنار،أو أبشر يا ولىّ اللّه بالجنة.و من هذا كان خوف أرباب الألباب.و قد قال النبي صلى اللّه عليه و سلم [١] «لن يخرج أحدكم من الدّنيا حتّى يعلم أين مصيره و حتّى يرى مقعده من الجنّة أو النّار».و قال صلى اللّه عليه و سلم[٢]«من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه و من كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه»فقالوا.كلنا نكره الموت.قال«ليس ذاك بذاك إنّ المؤمن إذا فرج له عمّا هو قادم عليه أحبّ لقاء اللّه و أحبّ اللّه لقاءه» و روي أن حذيفة بن اليمان قال لابن مسعود و هو لما به من آخر الليل.قم فانظر