إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٦ - بيان
مصروفة إلى حملة العرش،ينتظرون منهم ما ينزل عليهم من الأمر من حضرة الربوبية كي لا يعصوا اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون.و عبّر عن هذه المشاهدات في القرءان فقيل وَ فِي السَّمٰاءِ رِزْقُكُمْ وَ مٰا تُوعَدُونَ [١]و عبّر عن انتظار ملائكة السموات لما ينزل إليهم من القدر و الأمر فقيل خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللّٰهَ قَدْ أَحٰاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [٢]و هذه أمور لا يعلم تأويلها إلا اللّه و الراسخون في العلم.و عبّر ابن عباس رضى اللّه عنهما عن اختصاص الراسخين في العلم بعلوم لا تحتملها أفهام الخلق،حيث قرأ قوله تعالى يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [٣]فقال:لو ذكرت ما أعرفه من معنى هذه الآية لرجمتموني و في لفظ آخر لقلتم إنه كافر.و لنقتصر على هذا القدر،فقد خرج عنان الكلام عن قبضة الاختيار، و امتزج بعلم المعاملة ما ليس منه،فلنرجع إلى مقاصد الشكر فنقول إذا رجع حقيقة الشكر إلى قول العبد مستعملا في إتمام حكمة اللّه تعالى،فأشكر العباد أحبهم إلى اللّه و أقربهم إليه.و أقربهم إلى اللّه الملائكة ،و لهم أيضا ترتيب.و ما منهم إلا و له مقام معلوم.و أعلاهم في رتبة القرب ملك اسمه إسرافيل عليه السّلام.و إنما علو درجتهم لأنهم في أنفسهم كرام بررة،و قد أصلح اللّه تعالى بهم الأنبياء عليهم السّلام.و هم أشرف مخلوق على وجه الأرض.و يلي درجتهم درجة الأنبياء.فإنهم في أنفسهم أخيار،و قد هدى اللّه بهم سائر الخلق،و تمم بهم حكمته .و أعلاهم رتبة نبينا صلّى اللّه عليه و سلم و عليهم،إذ أكمل اللّه به الدين.و ختم به النبيين.و يليهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.فإنهم في أنفسهم صالحون،و قد أصلح اللّه بهم سائر الخلق،و درجة كل واحد منهم بقدر ما أصلح من نفسه و من غيره.ثم يليهم السلاطين بالعدل،لأنهم أصلحوا دنيا الخلق كما أصلح العلماء دينهم و لأجل اجتماع الدين،و الملك و السلطنة،لنبينا محمد صلّى اللّه عليه و سلم،كان أفضل من سائر الأنبياء.فإنهم أكمل اللّه به صلاح دينهم و دنياهم.و لم يكن السيف و الملك لغيره من الأنبياء.ثم يلي العلماء و السلاطين،الصالحون الذين أصلحوا دينهم و نفوسهم فقط، فلم تتم حكمة اللّه بهم بل فيهم.و من عدا هؤلاء فهمج رعاع
[١] الذاريات:٢٣
[٢] الطلاق:١٢
[٣] الطلاق:١٢