إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩١ - بيان
آخر محتاج إليه،فهو ظالم تارك للعدل،و خارج عن مقصود الحكمة،و كافر نعمة اللّه تعالى عليه بالقرءان،و الرسول،و العقل،و سائر الأسباب التي بها عرف أن ما سوى زاد الراكب و بال عليه في الدنيا و الآخرة.فمن فهم حكمة اللّه تعالى في جميع أنواع الموجودات، قدر على القيام بوظيفة الشكر.و استقصاء ذلك يحتاج إلى مجلدات،ثم لا تفي إلا بالقليل.
و إنما أوردنا هذا القدر ليعلم علة الصدق في قوله تعالى وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ الشَّكُورُ [١]و فرح إبليس لعنه اللّه بقوله وَ لاٰ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شٰاكِرِينَ [٢]فلا يعرف معنى هذه الآية من لم يعرف معنى هذا كله،و أمورا أخر وراء ذلك تنقضي الأعمار دون استقصاء مباديها.فأما تفسير الآية و معنى لفظها،فيعرفه كل من يعرف اللغة،و بهذا يتبين لك الفرق بين المعنى و التفسير.فإن قلت:فقد رجع حاصل هذا الكلام إلى أن للّٰه تعالى حكمة في كل شيء،و أنه جعل بعض أفعال العباد سببا لتمام تلك الحكمة،و بلوغها غاية المراد منها،و جعل بعض أفعالهم مانعا من تمام الحكمة.فكل فعل وافق مقتضى الحكمة، حتى انساقت الحكمة إلى غايتها فهو شكر.و كل ما خالف و منع الأسباب من أن تنساق إلى الغاية المرادة بها فهو كفران.و هذا كله مفهوم.و لكن الإشكال باق و هو أن فعل العبد المنقسم إلى ما يتمم الحكمة،و إلى ما يرفعها،هو أيضا من فعل اللّه تعالى.فأين العبد في البين حتى يكون شاكرا مرة و كافرا أخرى؟ فاعلم أن تمام التحقيق في هذا يستمد من تيار بحر عظيم من علوم المكاشفات و قد رمزنا فيما سبق إلى تلويحات بمباديها.و نحن الآن نعبر بعبارة وجيزة عن آخرها و غايتها،يفهمها من عرف منطق الطير،و يجحدها من عجز عن الإيضاع في السير،فضلا عن أن يجول في جو الملكوت جولان الطير.فنقول:إن للّٰه عز و جل في جلاله و كبريائه صفة عنها يصدر الخلق و الاختراع.و تلك الصفة أعلى و أجل من أن تلمحها عين واضع اللغة، حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها،و خصوص حقيقتها.فلم يكن لها في العالم عبارة لعلو شأنها،و انحطاط رتبة واضعى اللغات عن أن يمتد طرف فهمهم إلى مبادى إشرافها فانخفضت عن ذروتها أبصارهم،كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور
[١] سبأ:١٣
[٢] الأعراف:١٧