إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٣ - و أما تقوية باعث الدين،فإنما تكون بطريقين
و لو كانت تسلم له لكان يحسده أيضا .و لكن ملك الدنيا لا يخلو عن المنازعات و المكدرات، و طول الهموم في التدبيرات.و كذا سائر أسباب الجاه.ثم مهما تسلم و تتم الأسباب ينقضي العمر حَتّٰى إِذٰا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهٰا وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهٰا أَنَّهُمْ قٰادِرُونَ عَلَيْهٰا أَتٰاهٰا أَمْرُنٰا لَيْلاً أَوْ نَهٰاراً فَجَعَلْنٰاهٰا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [١]فضرب اللّه تعالى لها مثلا فقال تعالى وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا كَمٰاءٍ أَنْزَلْنٰاهُ مِنَ السَّمٰاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبٰاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيٰاحُ [٢].و الزهد في الدنيا لما أن كان ملكا حاضرا،حسده الشيطان عليه،فصده عنه.و معنى الزهد أن يملك العبد شهوته و غضبه، فينقادان لباعث الدين و إشارة الإيمان.و هذا ملك بالاستحقاق.إذ به يصير صاحبه حرا.
و باستيلاء الشهوة عليه يصير عبد الفرجة و بطنه و سائر أغراضه،فيكون مسخرا مثل البهيمة، مملوكا يستجره زمام الشهوة آخذا بمختنقه إلى حيث يريد و يهوى.فما أعظم اغترار الإنسان إذ ظن أنه ينال الملك بأنه يصير مملوكا و ينال الربوبية بأن يصير عبدا.و مثل هذا هل يكون إلا معكوسا في الدنيا،منكوسا في الآخرة؟و لهذا قال بعض الملوك لبعض الزهاد:
هل من حاجة؟ قال كيف اطلب منك حاجة و ملكى أعظم من ملكك!فقال كيف؟ قال من أنت عبده فهو عبد لي.فقال كيف ذلك؟قال أنت عبد شهوتك،و غضبك، و فرجك،و بطنك،و قد ملكت هؤلاء كلهم فهم عبيد لي.فهذا إذا هو الملك في الدنيا.و هو الذي يسوق إلى الملك في الآخرة فالمخدوعون بغرور الشيطان خسروا الدنيا و الآخرة جميعا.و الذين وفقوا للاشتداد على الصراط المستقيم فازوا بالدنيا و الآخرة جميعا.
فإذا عرفت الآن معنى الملك و الربوبية و معنى التسخير و العبودية،و مدخل الغلط في ذلك،و كيفية تعمية الشيطان و تلبيسه،يسهل عليك النزوع عن الملك و الجاه و الإعراض عنه و الصبر عند فواته.إذ تصير بتركه ملكا في الحال و ترجو به ملكا في الآخرة.و من كوشف بهذه الأمور بعد أن ألف الجاه و أنس به و رسخت فيه بالعادة مباشرة أسبابه،فلا يكفيه في العلاج مجرد العلم و الكشف.بل لا بد و أن يضيف إليه العمل.و عمله في ثلاثة أمور :
أحدها:أن يهرب عن موضع الجاه كى لا يشاهد أسبابه،فيعسر عليه الصبر مع
[١] يونس:٢٤
[٢] الكهف:٤٥