إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٩ - بيان
لو جعل الزنار الّذي في وسطه على وسطك ما ذا كنت تصنع؟.فإذا ما من إنسان قد أصيب ببلاء،إلا و لو تأمل حق التأمل في سوء أدبه ظاهرا و باطنا في حق مولاه،لكان يرى أنه يستحق أكثر مما أصيب به عاجلا و آجلا،و من استحق عليك أن يضربك مائة سوط، فاقتصر على عشرة،فهو مستحق للشكر.و من استحق عليك أن يقطع يديك،فترك إحداهما،فهو مستحق للشكر.و لذلك مر بعض الشيوخ في شارع،فصب على رأسه طشت من رماد.فسجد للّٰه تعالى سجدة الشكر،فقيل له ما هذه السجدة؟فقال كنت أنتظر أن تصب علىّ النار،فالاقتصار على الرماد نعمة.و قيل لبعضهم،ألا تخرج إلى الاستسقاء فقد احتبست الأمطار؟فقال أنتم تستبطئون المطر و أنا أستبطئ الحجر.
فإن قلت:كيف أفرح و أرى جماعة ممن زادت معصيتهم على معصيتى،و لم يصابوا بما أصبت به حتى الكفار.فاعلم أن الكافر قد خبئ له ما هو أكثر.و إنما أمهل حتى يستكثر من الإثم،و يطول عليه العقاب،كما قال تعالى إِنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدٰادُوا إِثْماً [١].
و أما العاصي،فمن أين تعلم أن في العالم من هو أعصى منه؟و رب خاطر بسوء أدب في حق اللّه تعالى و في صفاته،أعظم و أطم من شرب الخمر و الزنا و سائر المعاصي بالجوارح.
و لذلك قال تعالى في مثله وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اللّٰهِ عَظِيمٌ [٢]فمن أين تعلم أن غيرك أعصى منك؟ثم لعله قد أخرت عقوبته إلى الآخرة،و عجلت عقوبتك في الدنيا.فلم لا تشكر اللّه تعالى على ذلك؟و هذا هو الوجه الثالث في الشكر،و هو أنه ما من عقوبة إلا و كان يتصور أن تؤخر إلى الآخرة،و مصائب الدنيا يتسلى عنها بأسباب أخر تهون المصيبة، فيخف وقعها.و مصيبة الآخرة تدوم.و إن لم تدم فلا سبيل إلى تخفيفها بالتسلى،إذ أسباب التسلي مقطوعة بالكلية في الآخرة عن المعذبين.و من عجلت عقوبته في الدنيا فلا يعاقب ثانيا،إذ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ العبد إذا أذنب ذنبا فأصابته شدّة
[١] آل عمران:١٧٨
[٢] النور:١٥