إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥١ - بيان
عن دار الغرور.و مواتاة النعم على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء و مصيبة،تورث طمأنينة القلب إلى الدنيا و أسبابها،و أنسه بها،حتى تصير كالجنة في حقه،فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقته،و إذا كثرت عليه المصائب انزعج قلبه عن الدنيا،و لم يسكن إليها،و لم يأنس بها،و صارت سجنا عليه،و كانت نجاته منها غاية اللذة كالخلاص من السجن.و لذلك قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«الدّنيا سجن المؤمن و جنّة الكافر»و الكافر كل من أعرض عن اللّه تعالى و لم يرد إلا الحياة الدنيا،و رضى بها،و اطمأن إليها.و المؤمن كل منقطع بقلبه عن الدنيا،شديد الحنين إلى الخروج منها.و الكفر بعضه ظاهر و بعضه خفى.و بقدر حب الدنيا في القلب يسرى فيه الشرك الخفي.بل الموحد المطلق هو الذي لا يحب إلا الواحد الحق.فإذا في البلاء نعم من هذا الوجه،فيجب الفرح به.و أما التألم فهو ضروري.
و ذلك يضاهي فرحك عند الحاجة إلى الحجامة بمن يتولى حجامتك مجانا،أو يسقيك دواء نافعا بشعا مجانا.فإنك تتألم و تفرح،فتصبر على الألم،و تشكره على سبب الفرح.فكل بلاء في الأمور الدنيوية مثاله الدواء الذي يؤلم في الحال،و ينفع في المآل.بل من دخل دار ملك للنضارة،و علم أنه يخرج منها لا محالة،فرأى وجها حسنا لا يخرج معه من الدار، كان ذلك و بالا و بلاء عليه،لأنه يورثه الأنس بمنزل لا يمكنه المقام فيه.و لو كان عليه في المقام خطر من أن يطلع عليه الملك فيعذبه،فأصابه ما يكرهه حتى نفره عن المقام،كان ذلك نعمة عليه.و الدنيا منزل،و قد دخلها الناس من باب الرحم،و هم خارجون عنها من باب اللحد،فكل ما يحقق أنسهم بالمنزل فهو بلاء،و كل ما يزعج قلوبهم عنها و يقطع أنسهم بها فهو نعمة.فمن عرف هذا تصور منه أن يشكر على البلايا.و من لم يعرف هذه النعم في البلاء لم يتصور منه الشكر،لأن الشكر يتبع معرفة النعمة بالضرورة.و من لا يؤمن بأن ثواب المصيبة أكبر من المصيبة لم يتصور منه الشكر على المصيبة و حكي أن أعرابيا عزى ابن عباس على أبيه فقال:
اصبر نكن بك صابرين فإنما
صبر الرعية بعد صبر الرأس
خير من العباس أجرك بعده
و اللّه خير منك للعباس