إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٩ - الطرف الرابع
و لكن دعوى العلم بتلك الآثار على التفصيل مع الجهل قادح في الدين.و لذلك إذا كان معك ثوب غسلته و تريد تجفيفه،فقال لك غيرك أخرج الثوب و أبسطه فإن الشمس قد طلعت و حمي النهار و الهواء،لا يلزمك تكذيبه،و لا يلزمك الإنكار عليه بحوالته حمي الهواء على طلوع الشمس:و إذا سألت عن تغير وجه الإنسان،فقال قرعتنى الشمس في الطريق فاسود وجهي،لم يلزمك تكذيبه بذلك.و قس بهذا سائر الآثار.
إلا أن الآثار بعضها معلوم،و بعضها مجهول.فالمجهول لا يجوز دعوى العلم فيه،و المعلوم بعضه معلوم للناس كافة كحصول الضياء و الحرارة بطلوع الشمس،و بعضه لبعض الناس كحصول الزكام بشروق القمر.فإذا الكواكب ما خلقت عبثا،بل فيها حكم كثيرة لا تحصى و لهذا نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إلى السماء[١]و قرأ قوله تعالى رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلاً سُبْحٰانَكَ فَقِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ [١]ثم قال صلّى اللّه عليه و سلم«ويل لمن قرأ هذه الآية ثمّ مسح بها سبلته»و معناه أن يقرأ و يترك التأمل،و يقتصر من فهم ملكوت السموات على أن يعرف لون السماء وضوء الكواكب.و ذلك مما تعرفه البهائم أيضا.فمن قنع منه بمعرفة ذلك فهو الذي مسح بها سبلته.فللّه تعالى في ملكوت السموات،و الآفاق،و الأنفس،و الحيوانات،عجائب يطلب معرفتها المحبون للّٰه تعالى فإن من أحب عالما فلا يزال مشغولا بطلب تصانيفه،ليزداد بمزيد الوقوف على عجائب علمه حبّا له.فكذلك الأمر في عجائب صنع اللّه تعالى،فإن العالم كله من تصنيفه،بل تصنيف المصنفين من تصنيفه الذي صنّفه بواسطة قلوب عباده فإن تعجبت من تصنيف فلا تتعجب من المصنف،بل من الذي سخر المصنف لتصنيفه بما أنعم عليه من هدايته، و تسديده،و تعريفه.كما إذا رأيت لعب المشهود ترقص و تتحرك حركات موزونة متناسبة فلا تعجب من اللعب،فإنها خرق محركة لا متحركة،و لكن تعجب من حذق المشعوذ
[١] آل عمران:١٩١