إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٣ - الطرف الثالث
الرئيسة إلى صاحبه،و كيفية انشعاب العروق الضوارب من القلب إلى سائر البدن، و بواسطتها يصل الحس،و كيفية انشعاب العروق السواكن من الكبد إلى سائر البدن و بواسطتها يصل الغذاء ،ثم كيفية تركب الأعضاء،و عدد عظامها،و عضلاتها،و عروقها و أوتارها،و رباطاتها،و غضاريفها،و رطوباتها،لطال الكلام.و كل ذلك محتاج إليه للأكل و لأمور أخر سواه .بل في الآدمي آلاف من العضلات،و العروق،و الأعصاب.مختلفة بالصغر،و الكبر،و الدقة و الغلظ،و كثرة الانقسام و قلته ،و لا شيء منها إلا و فيه حكمة أو اثنتان،أو ثلاث،أو أربع،إلى عشر و زيادة.و كل ذلك نعم من اللّه تعالى عليك، لو سكن من جملتها عرق متحرك،أو تحرك عرق ساكن،لهلكت يا مسكين.فانظر إلى نعمة اللّه تعالى عليك أولا،لتقوى بعدها على الشكر ،فإنك لا تعرف من نعمة اللّه سبحانه إلا الأكل و هو أخسها،ثم لا تعرف منها إلا أنك تجوع فتأكل،و الحمار أيضا يعلم أنه يجوع فيأكل،و يتعب فينام،و يشتهي فيجامع،و يستنهض فينهض و يرمح.فإذا لم تعرف أنت من نفسك إلا ما يعرفه الحمار،فكيف تقوم بشكر نعمة اللّه عليك.و هذا الذي رمزنا إليه على الإيجاز قطرة من بحر واحد من بحار نعم اللّه فقط.فقس على الإجمال ما أهملناه من جملة ما عرفناه حذرا من التطويل.و جملة ما عرفناه و عرفه الخلق كلهم بالإضافة إلى ما لم يعرفوه من نعم اللّه تعالى،أقل من قطرة من بحر.إلا أن من علم شيئا من هذا أدرك شمة من معانى قوله تعالى وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا [١].ثم انظر كيف ربط اللّه تعالى قوام هذه الأعضاء،و قوام منافعها و إدراكاتها و قواها ببخار لطيف،يتصاعد من الأخلاط الأربعة،و مستقره القلب،و يسرى في جميع البدن بواسطة العروق الضوارب فلا ينتهى إلى جزء من أجزاء البدن إلا و يحدث عند وصوله في تلك الأجزاء ما يحتاج إليه من قوة حس و إدراك،و قوة حركة و غيرها ،كالسراج الذي يدار في أطراف البيت،فلا يصل إلى جزء إلا و يحصل بسبب وصوله ضوء على أجزاء البيت،من خلق اللّه تعالى و اختراعه،و لكنه جعل السراج سببا له بحكمته.و هذا البخار اللطيف هو الذي تسميه الأطباء الروح،و محله القلب .و مثاله جرم نار السراج،و القلب له كالمسرجة،و الدم الأسود
[١] النحل:١٨