إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٩ - الطرف الثالث
إلى داعية في دفعه و مقاتلته،و هي داعية الغضب الذي به تدفع كل ما يضادك و لا يوافقك ثم هذا لا يكفيك،إذ الشهوة و الغضب لا يدعوان إلا إلى ما يضر و ينفع في الحال.و أما في المآل،فلا تكفي فيه هذه الإرادة فخلق اللّه تعالى لك إرادة أخرى،مسخرة تحت إشارة العقل المعرف للعواقب،كما خلق الشهوة و الغضب مسخرة تحت إدراك الحس المدرك للحالة الحاضرة،فتم بها انتفاعك بالعقل،إذ كان مجرد المعرفة بأن هذه الشهوة مثلا تضرك لا يغنيك في الاحتراز عنها،ما لم يكن لك ميل إلى العمل بموجب المعرفة.و هذه الإرادة أفردت بها عن البهائم إكراما لبني آدم،كما أفردت بمعرفة العواقب.و قد سمينا هذه الإرادة باعثا دينيا،و فصلناه في كتاب الصبر تفصيلا أو في من هذا
الطرف الثالث
في نعم اللّه تعالى في خلق القدرة و آلات الحركة
اعلم أن الحس لا يفيد إلا الإدراك،و الإرادة لا معنى لها إلا الميل إلى الطلب و الهرب.
و هذا لا كفاية فيه ما لم تكن فيك آلة الطلب و الهرب.فكم من مريض مشتاق إلى شيء بعيد عنه،مدرك له،و لكنه لا يمكنه أن يمشى إليه لفقد رجله،أو لا يمكنه أن يتناوله لفقد يده،أو لفلج و خدر فيهما.فلا بد من آلات للحركة،و قدرة في تلك الآلات على الحركة لتكون حركتها بمقتضى الشهوة طلبا،و بمقتضى الكراهية هربا.فلذلك خلق اللّه تعالى لك الأعضاء التي تنظر إلى ظاهرها و لا تعرف أسرارها.فمنها ما هو للطلب و الهرب، كالرجل للإنسان ،و الجناح للطير،و القوائم للدواب.و منها ما هو للدفع كالأسلحة للإنسان و القرون للحيوان.و في هذا تختلف الحيوانات اختلافا كثيرا فمنها ما يكثر أعداؤه و يبعد غذاؤه،فيحتاج إلى سرعة الحركة،فخلق له الجناح ليطير بسرعة.و منها ما خلق له أربع قوائم.و منها ماله رجلان.و منها ما يدب .و ذكر ذلك يطول.فلنذكر الأعضاء التي بها يتم الأكل فقط،ليقاس عليها غيرها فنقول.رؤيتك الطعام من بعد،و حركتك إليه لا تكفي،ما لم تتمكن من أن تأخذه.فافتقرت إلى آلة باطشة،فأنعم اللّه تعالى عليك بخلق اليدين،و هما طويلتان ممتدتان إلى الأشياء،و مشتملتان على مفاصل كثيرة لتتحرك في الجهات،فتمتد و تنثني إليك فلا تكون كخشبة منصوبة.ثم جعل رأس اليد عريضا