نهج البلاغة - ط دار الكتاب اللبناني - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٩٥ - ٣١ ـ ومن وصية له
آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا ـ والإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا ـ فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا ـ فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وتَعَلُّمٍ ـ لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ وعُلَقِ الْخُصُومَاتِ ـ وابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ ـ والرَّغْبَةِ إِلَيْه فِي تَوْفِيقِكَ ـ وتَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ [٣٦٢٥] أَوْلَجَتْكَ [٣٦٢٦] فِي شُبْهَةٍ أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ ـ فَإِنْ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ ـ وتَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ ـ وكَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً ـ فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ ـ وإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ ـ وفَرَاغِ نَظَرِكَ وفِكْرِكَ ـ فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ [٣٦٢٧] وتَتَوَرَّطُ [٣٦٢٨] الظَّلْمَاءَ ـ ولَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ ـ والإِمْسَاكُ [٣٦٢٢٩] عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ [٣٦٣٠].
فَتَفَهَّمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي ـ واعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ ـ وأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ ـ وأَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ وأَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي ـ وأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ ـ إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللَّه عَلَيْه مِنَ النَّعْمَاءِ والِابْتِلَاءِ ـ والْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ ـ أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لَا تَعْلَمُ ـ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْه عَلَى جَهَالَتِكَ ـ فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِه جَاهِلًا ثُمَّ عُلِّمْتَ ـ ومَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الأَمْرِ ويَتَحَيَّرُ فِيه رَأْيُكَ ـ ويَضِلُّ فِيه بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُه بَعْدَ ذَلِكَ فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي