دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٣٤
بيد أنه ما لبث أن استدعى ثانية إلى قرطبة، على أثر خلع ابن أخيه يحيى، وهنالك
جددت له البيعة (ذو الحجة سنة ٤١٣ هـ) .
وكان المستعلى حينما استقر بإشبيلية قد
اصطنع أبا القاسم بن عباد بعد موت أبيه اسماعيل، وقربه إليه، وأقره في ولاية
القضاء.
وكان أبو القاسم يشعر من جانبه أن استمرار سلطان الحمّوديين، يهدد
رياستهم وينذر بالقضاء عليها.
فلما استدعى المستعلى ليتولى الخلافة ثانية في قرطبة، اجتمع رأى أهل إشبيلية على ثلاثة من الزعماء هم القاضى اسماعيل بن عباد، والفقيه
أبو عبد الله الزبيدى، والوزير أبو محمد عبد الله بن مريم، يتولون حكمها وضبط
الشئون فيها، فكانوا يحكمون بالنهار في القصر، وتنفذ الكتب تحت أختامهم
الثلاثة، ومع ذلك فقد كان القاضى ابن عباد، بمركزه ووفرة ثرائه ووجاهته، أقواهم سلطاناً، وأعلاهم يداً.
فعكف على العمل على توطيد سلطانه، وعلى
إضعاف سلطة البربر في المدينة.
ولما عاد المستعلى بعد قليل لاجئاً مع فلوله إلى
إشبيلية، بعد أن خلعه القرطبيون، وطلب أن تخلى له ولأصحابه الدور، اتفق
زعماء المدينة، وعلى رأسهم أبو القاسم على إغلاق أبوابها، وصد المستعلى وصحبه
البربر عن الدخول إليها، وأخرج من كان بها من ولد المستعلى وأهله، ومن زعماء
البربر وأكابرهم.
واتفق أهل إشبيلية، اتقاء لعدوان المستعلى وأشياعه من البربر، على أن يؤدوا له قدراً من المال، وينصرف عنهم، وتكون له الخطبة والدعوة، ولا يدخل بلدهم، ولكن يقدم عليهم من حكمهم ويفصل بينهم، فقدم عليهم القاضى
أبا القاسم بن عباد، ورضى به الناس، وبذا انفرد ابن عباد أيضاً بالرياسة
الشرعية، وقد كان منفرداً بها من الناحية الفعلية، وكان ذلك في أواخر سنة ٤١٤ هـ
(١٠٢٣ م) وبذلك انتهت رياسة البربر في إشبيلية، كما انتهت من قبل في قرطبة [١] .
[١] راجع في أصل بني عباد وظهورهم: ابن الأبار في الحلة السيراء (مخطوط الإسكوريال
رقم ١٦٥٤) لوحة ٦٥ أ، ونقله دوزى في كتابه: Scriptorum Arabum Loci de Abbaditis
(الكتابات العربية المتعلقة ببنى عباد) ، والمسمى أيضاً Historia Abbadidarum (تاريخ بني عباد)
(ليدن سنة ١٨٤٦ - ١٨٦٣ في ثلاثة مجلدات) ج ١ ص ٢٢٠ و ٢٢١.
وراجع الحلة السيراء (القاهرة)
ج ٢ ص ٣٤ - ٣٨.
وراجع أيضاً جمهرة أنساب العرب لابن حزم (القاهرة) ص ٣٩٨، والبيان
المغرب ج ٣ ص ١٩٤ - ١٩٦ و ٣١٤ و ٣١٥، وأعمال الأعلام لابن الخطيب (طبع بيروت)
ص ١٥٢ و ١٥٣.
ونود أن نلاحظ بهذه المناسبة أن العلامة رينهارت دوزى قد عمد إلى تمزيق كتاب "الحلة
السيراء"، فاستخرج منه تراجم عديدة نشرها في كتابه Hist.
Abbadidarum (تاريخ بني عباد) ، ونشر بعضها في كتابه: Recherches، ثم نشر معظم ما تبقى بعد ذلك من التراجم في مجلد =