حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٨٢ - الكثرة لا تكون الا في افراد النوع الواحد او الجنس الواحد و المادة هي سبب الكثرة؛ و كل ما هو خال من المادة لا يشترك مع غيره في النوع او الجنس
و لم يكن له معنى. و تقوى عنده هذا الظن بما قد كان بان له من ان ذات الحق- عز و جل- لا تتكثر بوجه من الوجوه، و ان علمه بذاته هو ذاته بعينها. فلزم عنده من هذا ان من حصل عنده العلم بذاته، فقد حصلت عنده ذاته، و قد كان حصل عنده العلم، فحصلت عنده الذات. و هذه الذات لا تحصل الا عند ذاتها، و نفس حصولها هو الذات، فاذن هو الذات بعينها.
و كذلك جميع الذوات المفارقة للمادة العارفة بتلك الذات الحقة التي كان يراها اولا كثيرة، و صارت عنده بهذا الظن شيئا واحدا.
الاشراق.- يتدارك وحدة الوجود، و ذلك بفضل هداية اشرقها اللّه عليه: ففهم ان ذاته مغايرة لذات الحق
و كادت هذه الشبهة ترسخ في نفسه لو لا ان تداركه اللّه برحمته، و تلافاه بهدايته:
فعلم ان هذه الشبهة انما ثارت عنده من بقايا ظلمة الاجسام، و كدورة المحسوسات.
فان الكثير و القليل، و الواحد و الوحدة، و الجمع و الاجتماع، و الافتراق، هي كلها من صفات الاجسام. و تلك الذوات المفارقة العارفة بذات الحق، عزّ و جلّ، لبراءتها عن المادة، لا يجب ان يقال انها كثيرة، و لا واحدة، لان الكثرة انما هي مغايرة الذوات بعضها لبعض، و الواحدة ايضا لا تكون الا بالاتصال. و لا يفهم شيء من ذلك الا في المعاني المركبة الملتبسة بالمادة.
الكثرة لا تكون الا في افراد النوع الواحد او الجنس الواحد و المادة هي سبب الكثرة؛ و كل ما هو خال من المادة لا يشترك مع غيره في النوع او الجنس
غير ان العبارة في هذا الموضع قد تضيق جدا، لانك ان عبرت عن تلك الذوات المفارقة بصيغة الجمع، حسب لفظنا هذا، او هم ذلك معنى الكثرة فيها، و هي بريئة عن الكثرة. و ان انت عبرت بصيغة الافراد، اوهم ذلك معنى الاتحاد، و هو مستحيل عليها. و كأني بمن يقف على هذا الموضع من الخفافيش، الذين تظلم الشمس في اعينهم، يتحرك في سلسلة جنونه، و يقول: لقد افرطت في تدقيقك حتى انك قد انخلعت عن غريزة العقلاء، و اطرحت حكم المعقول، فان من احكام العقل ان الشيء اما