كتاب المكاسب - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٤٨ - (السفرة الثالثة ربوع ايران)
من المستحبات الأكيدة و قد حث عليه الشرع فالسيد ادّى وظيفته الشرعية و الشيخ أتى بالواجب العرفي فكل جاء ليزور صاحبه.
اضف الى ذلك: أن كل واحد منهما لا يرى لنفسه ميزة حتى يزار أولا، ثم يرد عليه الزيارة.
و هذا هو نكران الذات.
اخذ السيد الشيخ و اخاه الى داره ليحلّا ضيفين عنده فاحسن ضيافتهما فبقيا عنده شهرا كاملا فاستمرت المحاورات العلمية، و البحوث الفقهية بين (السيد و الشيخ) ليل و نهار طوال أيام إقامته عند (السيد) و كانا يخوضان في المسائل الأصولية و الفقهية، و دام البحث بينهما.
كان (السيد) معجبا بآراء الشيخ الرصينة، و بكثرة إحاطته و طول باعه فألف بالمحاورات فيما بينهم، و أنس به فرغب في بقاء (الشيخ) عنده فسأله عن سبب مجيئه.
فقال: قاصدا زيارتكم، فقال (السيد): هلا بقيتم هنا.
فقال (الشيخ): إن لنا دويرة في بلدتنا لا بدّ لنا من الرجوع إليها.
فاجاب (السيد): إننا نتمكن من تهيئة دار لكم هنا.
فقال (الشيخ): إن الوالدة بالانتظار و لو اردنا البقاء في (ايران) لاخترنا (اصفهان).
كان الشيخ و اخوه في دار السيد و في ضيافته مكرمين معززين شهرا كاملا، ثم عزما على مغادرة (أصبهان) فخرجا منها قاصدين مدينة (كاشان).
كانت الغاية من سفر (شيخنا الأنصاري) الى هذه المدينة:
الاستطلاع على مدى علمية (المولى النراقي) [١] الذي كانت له الشهرة العلمية في أوساطها في الأصقاع الشيعية.
[١] هو الفقيه الأعظم، و الفيلسوف الأكبر، و الحكيم المتأله، موسوعة-
- الفضائل أحد أقطاب العلم و أساطينه في القرن الثالث عشر: (المولى أحمد بن محمد مهدي بن أبي ذر النراقي) أعلى اللّه درجاتهم، و رفع في الخلد مقامهم.
ولد في قرية (نراق) من قرى (كاشان).
و كاشان احدى مدن (ايران) واقعة بين (قم و أصفهان) كانت و لا تزال من المدن العظام في (ايران)، و كانت عامرة أيام (الدولة الصفوية) أكثر مما هي الآن و قد بلغت من عمرانها أن عدت من أهم بلاد ايران و كان فيها المعامل اليدوية المدهشة للعقول.
منها: معمل الحرير الذي يعد إنتاجه من أجود الحرير العالمي و كان يحمل الى البلاد.
و منها: معمل السجاد و سجاده من أرقى نوع السجاد الايراني و قد بلغ من جودته أن الطبقات العالية و المتوسطة تلج بذكره و تقول: (السجاد الكاشاني) و من عجيب أمر هذه المدينة أنه لا يوجد فيها بطال كلهم من أهل الحرف و الذوق.
لهم أعمال يدوية أخرى منها: (صناعة الصفر) فإنهم يصنعون منه الظروف و الأواني البديعة قل نظيرها في بقية البلدان.
و جوانب هذه المدينة مفتوحة و فواكهها من النوع الجيد و لا سيما البطيخ و الرمان و التين و العنب.
أنجبت هذه المدينة أعلاما و أفذاذا ممن رجالات العلم كمولانا النراقي و أبيه، و مولانا الفيض الكاشاني صاحب المؤلفات القيمة. تأتي الإشارة الى حياته عند ما يذكر عنه الشيخ أقوالا في التنجيم، و غير هؤلاء الجهابذة.
دراساته البدائية: أخذ أوليات دراساته في مسقط رأسه، ثم شرع في العلوم العربية من الصرف و النحو و الفصاحة و البلاغة هناك حتى أنهاها و برع فيها.
ثم أخذ في المنطق و الرياضيات و الهيئة و الفلكيات لدى أساتذتها المعروفين من مهرة العصر فبلغ فيها مرتبة رفيعة، و درجة عالية قل نظيره في أقرانه و هو في حداثة من العمر.
ثم بدأ في الفقه و الأصول، و الحكمة و الكلام و الفلسفة عند والده العظيم صاحب المآثر الخالدة، و المؤلفات النافعة علامة زمانه الذي هو أحد (المهادى الأربعة من الأعلام): (المولى محمد مهدي النراقي و السيد محمد مهدي بحر العلوم، و السيد محمد مهدي الشهرستاني و الميرزا مهدي الخراساني): فأكمل دراساته العالية لدى هذا العملاق و أنهاها حتى ظهرت فيه مقدرته العلمية، و بلغ مرتبة رفيعة.
لكن الشاب الطموح يروم أمنى المراتب، و أعلى المعارج، حيث إن منهوم العلم لا يشبع مهما بلغ و وصل فعزم على مغادرة بلاده، و الرحيل الى العراق للاستفادة من أعلام عاصمة العلم و أساطين (الجامعة الكبرى) (في النجف الأشرف)، حيث كانت المعهد الأعلى للدراسات العالية منذ أن اتخذها (شيخ الطائفة) عاصمة لها فجاء حتى دخل (النجف الأشرف)
و بعد التشرف (بالحرم المطهر العلوي): حضر معهد درس الفقيه الأعظم (الشيخ جعفر كاشف الغطاء، و العلامة السيد بحر العلوم) فاستفاد من منهليهما العذب الفياض مدة تشرفه هناك حتى نال مرتبة عظيمة في الفقه و الأصول، ثم ذهب الى كربلاء المشرفة) التي كانت ثانية العواصم العلمية-
- بعد أن أوجد حركتها (الأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني) فحضر مجلس (الأستاذ الأكبر، و السيد ميرزا مهدي الشهرستاني) و استفاد منهما حتى بلغ مرتبة قيل له بعد أساتذته: إنه (أحد أقطاب العلم) الذين يشار إليهم فرجع الى بلاده و حلّ في (كاشان) فاجتمع عنده الأفاضل فاستفادوا من نمير منهله العذب.
كان (للمولى النراقي) بالإضافة إلى علمي الفقه و الأصول باع طويل في الحكمة و الفلسفة الإلهية و الرياضيات و الفلك و الأدب و الشعر.
و له الاطلاع الواسع في الأديان.
و خلاصة القول: أنه كان مثالا للعلم، و مرآة كاملة للفضيلة، و أصبح مفخرة من مفاخر الطائفة، و عبقريا من عباقرها.
تلامذته: ربى بدوره تلامذة أفذاذا يفتخر الدهر بهم و يكفيه فخرا: أن (شيخنا الأنصاري) أحد تلكم النوابغ، و لا يسعنا المقام ذكر أسمائهم فنكتفي بهذا التلميذ العملاق (الشيخ الأنصاري) عند ذكر أساتذته.
مؤلفاته: (للمولى النراقي) مصنفات جيدة قيمة قد استفاد منها الفطاحل و لا يزال علماء الطائفة عاكفين عليها.
«منها»: (مستند الشيعة) في أحكام الشريعة و كتابه هذا يعطينا دروسا كاملة عن مدى تبحره في الأحكام، و تسلطه على فروع المسائل و مداركها، و غزارة علمه، و طول باعه.
- «و منها»: (عوائد الأيام) و الكتاب هذا عديم النظير في بابه و موضوعه، بل ليس له مثيل عند علمائنا الأعلام مع كثرة تصانيفهم و تآليفهم.
«و منها»: (سيف الأمة).
و الكتاب هذا رد على الرجل المسيحي (بادري) الذي دخل بذي رجال الدين، ثم حضر المعاهد العلمية التي تتشكل في المدارس الدينية و المساجد و طال حضوره زمنا لا يقل عن عشرة أعوام، و كانت الغاية من حضوره الحلقات الدراسية: الاستفادة من المعارف الاسلامية لعله يتمكن من الرد على الإسلام، ثم بعد أن قضى وطره خرج عن زي رجال الدين و رجع إلى دينه السابق و زيه كما كان عليهما من قبل فسود أوراقا أورد فيها بزعمه الباطل طعونا في القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه.
فالكتاب هذا رد على ذاك الطعن المزعوم.
و لعمر الحق: (إن المولى النراقي) قد أتعب نفسه الشريفة بتأليفه هذا الكتاب النفيس فقد جمع من المصادر المهمة من كتب اليهود و النصارى الشيء الكثير لموضوع بحثه حتى رده بأسلوب بديع، و بكلام سلس رصين فشكر اللّه سعيه، و أجزل مثوبته.
«و منها»: أسرار الحج.
«و منها»: أساس الأحكام.
«و منها»: عين الأصول.
«و منها»: مفتاح الأحكام.
«و منها»: الخزائن على غرار مشكلات العلوم لوالده العظيم و الكتاب هذا كمخلاة شيخنا البهائي.
- «و منها»: رسالة في مبحث اجتماع الأمر و النهي.
«و منها»: معراج السعادة على غرار (جامع السعادات) لوالده العظيم في علم الأخلاق.
و قد وفقنا اللّه تعالى لتصحيح (جامع السعادات) و التعليق عليه و طباعته طباعة أنيقة على الطراز الحديث ذات أسلوب بديع في ثلاثة أجزاء متناسقة، و عليه مقدمة نفيسة جدا لزميلنا المكرم العلامة الحجة (الشيخ محمد رضا المظفر) أعلى اللّه مقامه عميد كلية الفقه و مؤسسها.
و قد طبع إلى الآن خمس مرات نفدت نسخها، و سيطبع إن شاء اللّه أكثر من عشرات المرات.
و أما كتاب (معراج السعادة) فقد طبع عشرات المرات و هو باللغة الفارسية يبحث عن علم الأخلاق، و هو مؤلّف عظيم في بابه فقد رتب المؤلف فيه جميع المواضيع التي تخص تزكية النفس و تصفيتها، و ذكر في قبال كل فضيلة ما يضادها من الرذائل، و بين علاجها و طرق مكافحتها و قد وقع الكتاب موضع إقبال و اهتمام (الأمة المسلمة الإيرانية) و من يتكلم بلغتهم لتأثيره العميق في النفس الأمّارة و تهذيبها، و سوقها إلى الأخلاق الفاضلة و المثل العالية، و الملكات الحسنة، و إماتة ميولها السبعية، و مشتهياتها الحيوانية و تسلم عنانها، و التسلط على زمامها لأن النفس لامّارة بالسوء إلا ما رحم ربي.
فقد أثر الكتاب على كثيرين ممن درسه، و هذبوا أنفسهم و أصبحوا يمثلون الأخلاق الفاضلة و هم قدوة للآخرين.
و ممن أثر الكتاب فيه أثرا عميقا صديقنا المكرم الأخ في اللّه صاحب هذه المؤسسة الإنسانية الخالدة: (جامعة النجف الدينية) التي أنفق على إنشائها بهذا الشكل الرائع الجميل كأنها صرح ممرد من قوارير من خالص-
- ماله الحلال من غير ملل و لا سأم قربة لوجهه الكريم المقدس لا يبتغي سوى رحمته الواسعة.
و قد انجبت هذه المؤسسة و للّه الحمد منذ افتتاحها عام ١٣٨٢ ليلة (مبعث الرسول الأعظم) (صلى اللّه عليه و آله) إلى ليلتنا هذه ليلة السبت الثالث من المحرم الحرام ١٣٩٢: عشرات الأفاضل من مختلف البلاد و رجعوا إلى بلادهم للإرشاد و التوجيه الصحيح، و قد وفقوا بحمد اللّه لذلك.
هذا بالإضافة الى نشرها العشرات من الكتب النافعة أخلاقا، فقها أصولا، تفسيرا.
هذه دورتها الثمينة: (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) في عشرة أجزاء بالطبع الحسن الجميل المزينة بالتعاليق و الشروح.
هذه دورتها القيمة: (المكاسب) الذي بأيدينا و سيخرج قريبا إلى عالم الوجود إن شاء اللّه تعالى.
نعم أشاد هذا المحسن الغيور المؤمن باللّه هذا الصرح الشامخ في سبيل إعلاء كلمة اللّه و إحياء شريعة سيد المرسلين (صلى اللّه عليه و آله) فحسب كما قال شخصه الكريم دام توفيقه و فضله: إني بنيت هذه المؤسسة سوف يخرج منها من يقول: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): كذا، و قال: كذا و قال: كذا.
عود على بدء: و (للمولى النراقي) كتب اخرى تركنا ذكرها خوفا من الإطالة و الخروج عن الموضوع.