كتاب المكاسب - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٤٢ - (السفرة الثالثة ربوع ايران)
حط الشيخ و اخوه رحلهما في المدرسة، و بعد يومين زار الشيخ اسد اللّه زعيم الحوزة العلمية في (بروجرد) (شيخنا الأنصاري) و اخاه في المدرسة فتصافحا و تعانقا، ثم دار بينهما الترحيب.
كانت الزيارة مجردة عن البحوث العلمية فلم يقف (الشيخ البروجردي) على مدى علمية (شيخنا الأنصاري)، و لم يكن على معرفة سابقة به فطلب من الشيخ بقائه في (بروجرد)، ليكون مدرسا لولده في مدرسته فاحس الشيخ بذلك فقال لاخيه: أين كتابات دروسك التي القيتها عليك في الطريق هاتها و قدمها للشيخ فجاء بها في ساعته و قدمها للشيخ البروجردي فاخذها و طالعها فاطلع على مدى مقام (شيخنا الأنصاري) العلمي فندم عما قاله للشيخ و اعتذر، ثم اخذهما الى داره و بقيا عنده ثلاثون يوما معززين مكرمين.
ثم عزما على المغادرة و خرجا من عنده قاصدين مدينة (اصفهان) [١]
- تشد إليها الرجال، و تهافت عليها ذوو الفضل من شتى بلاد (ايران).
انتقل الى جوار ربه الكريم عام ١٢٧٠- ١٢٧١ في مدينة (بروجرد) و دفن بها.
[١] بكسر الهمزة و سكون الصاد و ضم الفاء معرب (سپاهان): و هي كلمة فارسية مركبة من كلمتين و هما: (سپاه) بمعنى الجيش.
و (هان) بمعنى المكان اي مكان الجيش حيث كانت ثكنة لاحدى الفرق الجيشية الكبرى (لملوك الفرس) الساسانيين.
كانت هذه المدينة الجبارة تعد و لا تزال ثالثة المدن العلمية الاسلامية من حيث أهمية مركزيتها الثقافية.
بل هي من أكبر معاهدها، و من أعظم عواصم الأدب الكبرى منذ الفتح الاسلامي، و اعتناق مواطينها للدين الحنيف، و حفلت هذه المدينة بأعظم الرجال، و نوابغ الأعلام.
جاء في معجم البلدان ج ١. ص ٢٧٣:
(و خرج من اصبهان من العلماء و الأئمة في كل فن ما لم يخرج من مدينة من المدن: ... و قد فشا فيها الخراب في هذا الوقت و قبله في نواحيها، لكثرة الفتن و التعصب بين الشافعية و الحنفية، و الحروب المتصلة بين الحزبين، فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الاخرى و أحرقتها و خربتها لا يأخذهم من ذلك إل و لا ذمة!).
و لنعطيك نموذجا من تلك الفتن المدمرة نورد موجز ما اشار إليه ابن ابي الحديد الشافعي في شرح نهج البلاغة.
قال في ج ٨ ص ٢٣٧ عند كلامه على خروج التتر، و تدميرهم البلاد الاسلامية و قد عاش في تلك الكارثة العظمى و عاصرها:
(و لم يبق لهم إلا اصبهان، فإنهم نزلوا عليها مرارا سنة سبع و عشرين و ستمائة و حاربهم اهلها، و قتل من الفريقين مقتلة عظيمة و لم يبلغوا منها غرضا.
حتى اختلف اهل اصبهان في سنة ٦٣٣ و هم طائفتان: حنفية. و شافعية و بينهم حروب متصلة، و عصبية ظاهرة.
فخرج قوم من أصحاب الشافعي الى من يجاورهم و يتاخمهم من ممالك التتار فقالوا لهم: اقصدوا البلد حتى نسلمه إليكم! ... فنزلوا على اصفهان في سنة ثلاث و ثلاثين المذكورة و حصروها فاختلف سيفا الشافعية و الحنفية في المدينة حتى قتل كثير منهم، و فتحت أبواب المدينة فتحها الشافعية! على عهد بينهم و بين التتر أن يقتلوا الحنفية و يعفوا عن الشافعية، فلما دخلوا البلاد بدءوا بالشافعية فقتلوهم قتلا ذريعا و لم يقفوا مع العهد الذي عهدوه لهم ثم قتلوا الحنفية، ثم قتلوا سائر الناس و سبوا النساء و شقوا بطون الحبالى و نهبوا الأموال، ثم أضرموا النار فاحرقوا (أصبهان) حتى صارت تلولا من الرماد) انتهى.