غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٩٨ - الرابع خيار الغين
و بين كون ذلك وقفا قلنا ليس ذلك يناقض كونه وقفا لانّه متى لم يختر الرّجوع فهو ماض على سبيله و متى مات قبل العود نفذ (أيضا) نفوذا تامّا و هذا حكم ما كان مستفادا قبل عقد الوقف فكيف يكون ذلك نقضا لحكمه هذا كلامه (رحمه الله) و يمكن ان يكون وجه التأمّل هو انّه بعد فرض كون المراد من الموثقة ما ذكر أوّلا في وجه التّأمل لا وجه لتقييد رجوع الوقف الى الوقف بكون الرّجوع منوطا باختياره رجوعه اليه لعدم دلالتها على ذلك التقييد فنقول ليس في الموثقة دلالة على شيء من ثبوت الخيار له و عدمه إذ لا تفيد الا انّ الواقف أحقّ بالوقف ان احتاج اليه و ظاهره انّه يرجع الوقف اليه بمجرّد الحاجة لا انّه يكون له الخيار فيه في إعادته إلى ملكه و هذا للوقف لا مدخل له بثبوت الخيار نسخه و عدمه
قوله لعموم ما دلّ على انّه لا يرجع فيما كان للّه بناء على انّ المستفاد منه كون اللزوم حكما شرعيّا لمهية الصدقة
انّما قيد ببناء الاستدلال على ذلك لانّه لو كان المراد به مجرّد النّهى عن الرّجوع تحريما أو تنزيها لم يتأت منه الدّلالة على حكمه الوضعي الّذي هو عدم تأثير الرّجوع و عدم افادته انفساخها
قوله من انّ المقصود من اعتبار التقابض فيهما ان يفترقا و لم يبق بينهما علقة و لو أثبتنا الخيار لبقيت العلقة و الملازمة ممنوعة
الواو في قوله و لم يبق للحال يعنى انّ المقصود من اعتبار التقابض هو ان يحصل الافتراق في حال انتفاء العلقة بينهما و لو قلنا بثبوت الخيار لبقيت العلقة بينهما بعد التفرّق بثبوت سلطنة ذي الخيار على من عليه الخيار بفسخ العقد الواقع بينهما و انّما كان انتفاء العلاقة في حال افتراقهما مقصود إلا أنهما لو تفرّقا في الصّرف بإقباض من أحد الطرفين دون الأخر لزوم الرّبا من جهة تساوى النقدين في المقدار مع كون أحدهما مقبوضا و الأخر غير مقبوض الموجب لزيادة المقبوض على غيره يكون الأوّل حالا و الثاني مؤجلا أو مؤخرا (مطلقا) و هي مستلزمة للرّبا و لو تفرّقا في السلم بدون اقباض الثمن لزم بيع الكالي بالكالي و قد أشار (المصنف) (رحمه الله) الى عبارة التذكرة و لم يذكرها بتمامها و ينبغي نقلها بعينها قال (رحمه الله) الأقرب عندي دخول خيار الشرط في كلّ معاوضة خلافا للجمهور على تفصيل فالسّلم يدخله خيار الشرط و كذا الصّرف على اشكال فيه للعموم و قال الشّافعي لا يدخلهما خيار الشرط و ان دخلهما خيار المجلس لان عقدهما يفتقر الى التقابض في المجلس فلا يحتمل التأجيل و المقصود من اشتراط القبض ان يتفرّقا و لا علقه بينهما تحرزا من الرّبا أو من بيع الكالي بالكالي و لو أثبتنا الخيار لبقيت العلقة بينهما بعد التفرق و نمنع الملازمة انتهى و وجه منع الملازمة هو انّ العلقة المرغوب عنها انّما هي العلقة الموجبة للرّبا أو بيع الكالي بالكالي من حيث انّه علل مقصودية انتفائها في حال الافتراق بالتحرز عن شيء منهما و من المقرّر الثابت انّ العلة كما تفيد التعميم (كذلك) تفيد التخصيص على حسب الموارد و (حينئذ) نقول انّه لا يلزم من ثبوت الخيار التأدية إلى الرّبا أو بيع الكالي بالكالي و هو ظاهر
قوله و السرّ في ذلك انّ الشّرط القولي لا يمكن ارتباطه بالإنشاء الفعلي
لا يخفى انّه ان أراد من عدم الارتباط عدم كونهما من جنس واحد بان يكونا جميعا من مقولة الأفعال فهو مسلم لكن يبقى الكلام في وجوب مراعاته أو اعتباره و من أراد منه انّ الشرط القولي لا يرتبط بالإنشاء الفعلي من حيث الانضمام في الإفادة فهو ممنوع ضرورة تأتى ذلك بذكر الشرط لفظا في حال اشتغالهما بتعاطي الثمن و المثمن و من المعلوم حصول المطلوب بهما و ممّا يرفع البعد عن هذه المقالة ما نجده في عكس هذا الفرض من الاعتماد في دلالات الألفاظ على القرائن العقليّة و الحالية
قوله و ذكر فيهما (أيضا) دخول الخيار في الصّداق و لعلّه لمشروعيّة الفسخ فيه في بعض المقامات كما إذا زوّجها الولي بدون مهر المثل و فيه نظر
وجه النّظر انّ تزويج الولي بدون مهر المثل تفريط و خيانة و تسلّط المولى عليه على رفع ما أوقعه الولي على وجه التفريط و فسخه لا يستلزم دخول خيار الشّرط فيه إذا أوقعه هو بنفسه و اشترط فيه الخيار فذلك أشبه شيء بما لو باع الولي أو الوكيل بدون ثمن المثل فان جواز فسخ المولى عليه أو الموكل لا يستلزم في حدّ ذاته جواز اشتراط الخيار في البيع إذا أوقعه هو بنفسه و انّ اتفق في الشرع جوازه لدليل أخر فتدبر
الرابع خيار الغين
قوله قال في الصحّاح هو بالتسكين في البيع و بالتحريك في الرأي
ربما أوهم عبارة (المصنف) (رحمه الله) في بادى النظر ان مراد صاحب الصحّاح هو انّ الغبن بمعنى الخديعة يستعمل بالتسكين في البيع و بالتحريك في الرأي فيصير الحاصل انّ الغبن في الرأي عبارة عن ان يخدع الرّجل غيره في رأيه بأن يصرفه عن الحق إلى الباطل و ليس (كذلك) لانّه قال في الصّحاح ما لفظه الغبن بالتّسكين في البيع و الغبن بالتحريك في الرأي يقال غبنته في البيع بالفتح اى خدعته و قد غبن فهو مغبون و غبن رأيه بالكسر إذا نقص فهو غبين اى ضعيف الرّأي و فيه غبانة انتهى فقد علم من كلامه انّ الغبن في الرّأي لا يستعمل متعدّيا حتى يكون عبارة عن صرف الرّجل رأى غيره عن الحقّ إلى الباطل و انّما يستعمل لازما و يؤيده ما في المصباح من قوله غبنته في البيع و الشراء غبنا من باب ضرب مثل غلب فانغبن و غبنه اى نقصه و غبن بالبناء للمفعول فهو مغبون اى منقوص في الثمن أو غيره و الغبينة اسم منه و غبن رأيه غبنا من باب تعب قلّت فطنته و ذكاؤه انتهى
قوله و هو في اصطلاح الفقهاء تمليك ماله بما يزيد على قيمته مع جهل الأخر
هذا التعريف شامل لما إذا كان المشترى غابنا و البائع مغبونا و بالعكس لان الضمير المجرور بإضافة لفظ المال اليه يعود الى الشخص المدلول عليه بالمقام كما في قوله تعالى وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ و معادله هو الأخر المضاف اليه لفظ الجهل و معلوم ان زيادة أحد العوضين يستلزم نقص الأخر فمن ملك ماله بما يزيد على قيمته سواء كان هو المشترى أو البائع كان غابنا و كان الأخر مغبونا مشتريا كان أو بائعا و (حينئذ) فلا يبقى حاجة الى عطف النقيصة على الزيادة بأن يقال بان يزيد على قيمته أو ينقص بل يصير لغو لما عرفت من انّ زيادة أحد العوضين يستلزم نقيصة الأخر و المفروض انّه لم يعتبر في الملك تشخيص كونه هو خصوص البائع أو المشترى
قوله و المراد بما يزيد أو ينقص العوض مع ملاحظة ما انضم اليه من الشرط
لا يقال انّه لم يسبق للنقيصة ذكر حتى يحتاج الى التفسير و يعطف على الزّيادة و انه لو فرض انّ المراد بها النقيصة اللازمة للزّيادة في الطّرف الأخر لم يكن وجه لعطفه بلفظه أو بل كان اللازم عطفه بالواو لأنا نقول هذا الّذي وقع في كلامه (رحمه الله) من عطف النقيصة على الزّيادة بلفظ أو إشارة الى ما وقع في تعريفه من الاختلاف في اللفظ إذ قد عرفت انّه عرفه هو (رحمه الله) بما يتضمن لفظة يزيد و قد عرفه جماعة بما يتضمن لفظ ينقص قال في مفتاح الكرامة قد صرّح جماعة منه أبو العباس و الصيمري بأن حقيقة الغبن نقص أحد العوضين عن العوض المسمّى في العقد نقصا لا يتسامح بمثله عادة مع جهل من صار اليه الناقص انتهى فتكون لفظة أو في كلام (المصنف) (رحمه الله) إشارة إلى القسمين
قوله نعم المحكىّ عن المحقّق (قدس سرّه) في درسه إنكاره و لا يعدّ ذلك خلافا في المسئلة كسكوت جماعة عن التعرض له نعم حكى