غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٥٧ - الاستدلال للصحة بصحيحة محمد بن قيس
البائع و إحاطة المشتري بجميع ما ذكر في غاية البعد حتى انه لو ادعى انسان القطع بعدمها لم يكن لمن أحاط خبرا بأحوال أهل القرون الخالية توجيه الإنكار إليه
قوله خصوصا بملاحظة ان الظاهر وقوع تلك المعاملة على جهة المعاطاة و قد تقدم ان المناط فيها مجرد المراضاة و وصول كل من العوضين الى صاحب الأخر و حصوله عنده بإقباض المالك أو غيره و لو كان صبيا أو حيوانا فإذا حصل التقابض بين فضوليين أو فضولي و غيره مقرونا برضى المالكين ثمّ وصل كل من العوضين الى صاحب الأخر و علم برضا صاحبه كفى في صحة التصرف و ليس هذا من معاملة الفضولي لأن الفضولي صار إله في الإيصال و العبرة برضى المالك المقرون به
أورد عليه بان من الظاهر الذي لا مجال للارتياب فيه ان عروة لم يرتكب ما فعله من المعاملة بعنوان الألية و انما ارتكبه بعنوان التصرف أقول لا يخفى ان هذا المقدار من الاشكال هين لأنه (رحمه الله) يقول انه لا عبرة بقصده و انّما العبرة بقصد للمالكين فإنّه إذ اقترن بمعاملة الفضولي أخرجها عن عنوان الفضولي و لما كانت هذه المعاملة مما لم يقع فيه عقد كانت من المعاطاة لاندراجها تحتها إذ لا يعتبر في المعاطاة التقابض من الطرفين بالفعل على وجه المباشرة ثمّ لا يخفى ان (المصنف) (رحمه الله) أفاد في هذا المقام ما يحصل منه زيادة توسعة في دائرة الفضولي لم تتحصّل من كلامه سابقا فإن غاية ما ذكره فيما تقدم هو ما أفاده في ضمن مثال أخذ ماء السقاء و وضع الفلس في الموضع المعدلة من انه و ان قبض ماء السقاء الا انه لم يقبض الثمن فقد اكتفى بالقبض من طرف و الوصول الى المالك من طرف أخر مع قصد أحد الطرفين إلى المبادلة أعني أخذ الماء و ان كان السّقاء غير قاصد بالفعل أعني في حال أخذه الماء و وضعه الفلس في الموضع المعدلة لغيبته عن محضر الآخذ و جهله بفعله و قد يكون نائما في ذلك الحال أو ذاهلا بالكلية عن ان له ماء و ان إنسانا يأخذه و يضع الفلس في المكان الذي أعده له لكن رضى السّقاء بما فعله الأخذ موجود في الخزانة و ان كان غائبا عن القوة الذاكرة مضافا الى ان ثمن الماء الذي أخذه من كون السّقاء كان معلوما للطرفين تفضيلا و ذلك بخلاف ما نحن فيه فان القصد الفعلي من كل من الطرفين مفقود لجهل أحد الطرفين بحال المعاملة بل قد يكون نائما أو ذاهلا بالكلية و جهل الأخر بكون المعاملة الواقعة من الفضولي للغير حتى يقصد النقل اليه فيصير المتوسط الذي هو الفضولي إله في الإيصال و الا لم يصر إله بل طرفا في المعاملة مضافا الى ان أحد الطرفين و هو من قام الفضولي مقامه لا يعلم بمقدار الثمن الذي وقع عليه المعاملة و لا بمقدار المثمن الّذي اشتراه الفضولي له و لا بوصفه و سائر ما يعتبر في الشيء الذي يراد شراؤه العلم به فيصير محصّل ما أفاده (رحمه الله) هو انه يكفى في المعاطاة وصول كلّ من العوضين الى صاحب الأخر مع وجود الرضا في الخزانة على وجه الإجمال من جهة عدم العلم بالكيفية و ان لم يكن قصد في حال المعاملة إليها و لا علم بشيء من العوضين تفصيلا من أحد الطرفين و هو من قام الفضولي مقامه و ان كان الطرف الأخر عالما بالعوضين دليله على ذلك ما دل على ان مناط حلّ مال الغير هو طيب نفسه و هذا المعنى حاصل في المقام و لكن الإنصاف ان انعقاد المعاملة على وجه المعاطاة بمثل ذلك في غاية الاشكال ثمّ انه قد أورد بعض المعاصرين على كلام (المصنف) (رحمه الله) بعد نقله و تفريع بطلان الاستدلال بحديث عروة عليه بما لفظه ان المانع لذلك و لو بمعونة فهم المشهور منه و حكاية المالك له لعله مستظهر انتهى أقول ان الأوّل و ان كان لا بأس به بعد توجيهه بان فهم الأكثر يصير كاشفا عن انه كان فيحال صدور الخبر قرينة دالة على ان المراد به هو معاملة الفضولي إلا أن الثاني في غاية الضعف لما عرفت سابقا من ان قوله فأجاز من كلام صاحب (المسالك) و انه لازم قوله (عليه السلام) بارك اللّه في صفقة يمينك أبرزه حيث نقل الحديث بالمعنى
[الاستدلال للصحة بصحيحة محمد بن قيس]
قوله و استدلّ له (أيضا) تبعا للشهيد في (الدروس) بصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة باعها
(انتهى) قال ابن الأثير في النهاية بعد ما فسر الوليد بالطفل ما لفظه و الأنثى الوليدة و الجمع الولائد و قد تطلق الوليدة على الجارية و الأمة و ان كانت كبيرة و منه الحديث تصدقت على أمي بوليدة يعنى جارية انتهى و اما قوله (عليه السلام) فناشده الذي اشتراها فمعناه انه سئله و اقسم عليه الذي أشتريها في امره قال في النهاية يقال نشدتك اللّه و أنشدك اللّه و باللّه و ناشدتك اللّه و باللّه أي سألتك و أقسمت له عليك و نشدته نشدة و نشدانا و منا شدة و تعديته الى مفعولين اما لانه بمنزلة دعوت حيث قالوا أنشدتك اللّه و باللّه كما قالوا دعوت (صح) زيد أو بزيد أو لأنهم ضمنوه معنى ذكرت فاما أنشدتك باللّه فخطأ انتهى و حذف المفعول الثاني في الحديث مبنى على إرادة أفاده مطلق السؤال و الأقسام من دون تعلق الغرض بخصوص المقسم به و قوله أرسل ابني معناه أطلق بنى قال في المصباح أرسلت الطائر من يدي إذا أطلقته من غير تقييد انتهى ثمّ انه قال في (الدروس) في أخر مبحث بيع الحيوان ما لفظه و روى محمد بن قيس في وليدة باعها ابن سيّدها فاستولدها المشترى ينتزعها الأب و ولدها و للمشتري أخذ البائع ليجيز أبوه البيع و هي قضية على (عليه السلام) في واقعة و لعلّ ذلك استصلاح منه (عليه السلام) و فيه دلالة على ان عقد الفضولي موقوف و على ان الإجازة كاشفة انتهى و وجه دلالته على الأخير هو ان الإجازة لو كانت ناقلة كانت الأمة في حال حصول الولد ملكا لسيّدها و قد وطئها الثاني بالشبهة فكان اللازم على هذا ان يرد على السيّد الأول قيمة الولد لان ذلك هو الحكم في الولد الحاصل من الأمة الموطوئة الشبهة إذا كان الواطى حرا و ظاهر ذيل الحديث هو ان الإجازة للبيع وقعت بغير أخذ عوض عن الولد و لازم ذلك ان الوطي وقع في ملك الواطى فلا يحتاج الى عوض و لا يكون ذلك الّا على تقدير وقوع العقد صحيحا من حال وقوعه حتى ان الأمة في حال وطيها كانت ملكا للواطى و لا يتم ذلك الا على القول بالكشف ثم لا يخفى عليك انه بما يتوهم في بادى الرأي ان بيع ابن سيّد الوليدة إياها إذا لم يكن للمالك الذي هو السيّد و انما كان لنفسه لم يكن ذكر الاستدلال بالصحيحة في هذه المسئلة مرتبطا بالمقام و لكنه مدفوع بان الاستدلال بها في هذه المسئلة مبنى على الأولوية لأنه إذا صحّ بيع الفضولي لنفسه و لزم بإجازة المالك فصحة بيع الفضولي للمالك و لزومه بإجازته أولى و على هذا القياس حال ما يذكره في المؤيدات من صحيحة الحلبي حيث صرّح (رحمه الله) في ذيلها بان الحكم برد ما زاد ان لا ينطبق بظاهره الا على صحة بيع الفضولي لنفسه و كذلك الأخبار الدالة على عدم فساد نكاح العبد بدون اذن مولاه لان النكاح انما هو لنفسه لا للسيّد فتدبر
قوله و جميع ما ذكر فيها من الموهنات موهونة إلا ظهور الرواية في تأثير الإجازة المسبوقة بالرد
اعلم انه قد وقع التعرض في كلماتهم للأمور الموهنة لهذا الحديث على قسمين لان منها ما هو موهن للاستدلال به على خصوص كون بيع الفضولي موقوفا على الإجازة و منها ما هو موهن لنفس الحديث و مجموعها أربعة أحدها ما في قوله (عليه السلام) و الحكم ان تأخذ الوليدة فإن ظاهره ان حكم اللّه سبحانه الكلى لأمثال هذا القضية هو أخذ المبيع ابتداء و هو انّما يتم على القول ببطلان بيع الفضولي لا على صحتها موقوفة على الإجازة لأن حكم الأخيرة انما هو كونه مخيرا بين الإجازة و الرد ثانيها الحكم بأخذ ابن الوليدة و هو لا يتم على القواعد الشرعية لأن المشتري قد وطئ الأمة الشبهة الملك و الولد الحاصل من الأمة الموطوئة لشبهة