غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٤٤ - الكلام في الوقف المؤبد
المالك و تركه و يأسه عن الانتفاع يجعل المال كالمباح فهو يجرى فيما نحن فيه بل و على سبيل الأولوية و صرّح الأصحاب بكون الإعراض منشأ للخروج عن الملك في غير موضع منها مسئلة بيع تراب الصياغة ثم حكى (رحمه الله) عن (المسالك) انه قال و لو دلت القرائن على أعراض مالكه عنه جاز للصّائغ تملكه كغيره من الأموال المعرض عنها ثم فرع هو (رحمه الله) عليه ان الروايتين الدالتين على التصدق بثمنه محمولتان على ما لو لم يعلم أعراض صاحبه عنه ثم حكى عن الكفاية انّه قال تراب الصياغة ان علم بالقرائن المفيدة للعلم ان صاحبه اعرض عنه جاز للصائغ تملكه كسائر الأموال المعرض عنها خصوصا إذا كانت مما يسامح فيها عادة و لا يبعد الاكتفاء بالظن مع عدم قضاء العادة على خلافه و الا فإن كان أربابها معلومين استحلهم أورده إليهم و لو كان بعضهم معلوما فلا بد من الاستحلال و الا (فالظاهر) جواز بيعه و الصدقة به ثم ذكر انهم قالوا في مسئلة السفينة المنكسرة في البحر ايضا ان ما يخرج بالغوص فهو لمن أخرجه و اما ما أخرجه البحر فهو لصاحبه و ذكران هذا هو المشهور بينهم و استدلوا عليه برواية الشعيري و ساق الرواية ثم ساق كلام ابن إدريس (رحمه الله) ثم قال ظاهر كلام ابن إدريس (رحمه الله) دعوى الإجماع على ان المال المأيوس منه المعرض عنه كالمباح و يمكن ان يكون نظره في الخبرين اللذين ادعى الإجماع عليهما هو رواية الشعيري و الروايات الدالة على حكم البعير مثل صحيحة عبد اللّه بن سنان و ذكروا في مسئلة حفر البئر في الأراضي المباحة لا بنية التملك بل لينتفع به انه لو عادلها بعد الإعراض يساوي غيره على المشهور ثم قال (رحمه الله) فمع ملاحظة هذه المقامات في كلمات العلماء و ملاحظة خصوص الاخبار و العلّة المستفادة من صحيحة عبد اللّه بن سنان و الإجماع المستفاد من كلام ابن إدريس (رحمه الله) لا يبقى مجال للتأمّل في ترجيح الخروج عن الملك بسبب الاعراض سيّما في الشيء الدون و الاستصحاب المذكور لو سلم صحة أجزائه فيه لا يقاوم ما ذكر سيّما مع ما عرفت من ان الظاهر ان جواز التصرف إجماعي و ادعاء كون ذلك من باب اباحة المالك لا من باب حيازة المباح مما يأباه العقول السليمة و الأحلام المستقيمة فإنا كثيرا ما يحصل لنا العلم بان المالك لا يخطر بباله تصرف الغير فضلا عن إباحته له بل انّما يحصل منه نفس الاعراض فكيف يعتمد في التصرف في مال الغير على ما ليس من باب الاذن الصريح و الا الفحوى و لا شاهد الحال فان معنى شاهد الحال (صح) ان يشهد الحال برضى المالك بتصرفه مع بقائه في ملك المالك و لا ريب انّه مفقود في أغلب موارد هذه المسئلة فلو فرض ان أحدا جمع السنابل في مزرعة أحد بعد الاعراض عنه رأسا على سبيل التدريج حتى يبلغ ثلثمائة من من الحنطة فان لا ان علم المالك ان ملكه باق على تلك الحنطة فكيف يحصل العلم برضاه بتصرف الملتقط في هذا المجموع سيّما إذا اعتبر في شاهد الحال العلم كما هو ظاهر الأكثر نعم شاهد الحال يشهد برضاه في الالتقاط و محض الرضا بالالتقاط لا يوجب الرضا بالتصرف في هذا المبلغ الخطير و هذا كله شاهد على انه خرج عن ملكه بالإعراض فتأمل بنظر دقيق و فكر عميق فان التمسّك بالاستصحاب هنا من الآراء البادية و الانظار الجليلة الظاهرة لا من الأفكار الغامرة هذا هو الكلام في إثبات خروج المال المعرض عنه عن ملك المالك بالإعراض المترتب عليه خروج الحب المسئول عنه عن مال مالكه و امّا الكلام في انّه (حينئذ) هل هو ملك من أحرزه و ربّاه أو ملك مالك الأرض فهو و ان أشير إليه في تضاعيف الكلام و لكن قد يستشكل في ذلك من جهة كونه نماء ملك المالك فيكون كالحشيش النابت فيه و لا يجوز لأحد حيازته بل هو ملك مالك الأرض من جهة كونه شيئا مباحا دخل في أرضه و تولد منه زرع فيكون كالطائر الوحشي المتعشش في دار أحد فإنه يكون لمن أحرزه لأن ذلك ليس بمنزلة الشبكة الموضوعة لذلك حتى يصير ملك من نصبها فالمخير المربي للزرع و ان كان غاصبا فاعلا للحرام بسبب دخوله في ملك الغير و تصرّفه فيه لكنه لا يوجب عدم حليّة المباح بالحيازة و لعلّ هذا أقرب و في كلام العلامة (رحمه الله) في التحرير تنبيه على الوجه الأول لأن قوله الا ان يكون صاحب البذر أسقط حقه معناه ان الزرع (حينئذ) ليس لصاحب البذر بل لصاحب الأرض و هو موافق لما نقله
في التذكرة عن احمد و يمكن ان يقال مراده (رحمه الله) الاستثناء من أول الكلام و المراد نفى كونه من صاحب البذر و كيف كان فلا بد من تقييده بما لم يكن هناك مخير أخر غير صاحب الأرض و كذلك عبارة القواعد و بيان ذلك يعلم من كلامه (رحمه الله) في التذكرة فرع لو باع أحد شجرة واقعة في أرض مشاع بينه و بين غيره فقطع المشترى الشجرة و قطع أصوله و عروقه و بقي منها بعض العروق الصّغار الغير المعتنى به و نبت منها دويّ فجاء أخر فرباها حتى صار شجرة فهل هو للمشتري حيث انه نماء عرق شجرته أو من المخير أو من جميع الشركاء في الملك أو من البائع الأوّل الأظهر ان كان المخير سقى تلك العروق و رباها قبل نبات الدّويّ منها فهو مال المحيز إذا علم أعراض المشترى كما هو ظاهر الحال في أمثال ذلك و ان رباها بعد نباته و صيرورته شيئا له مالية فهو مال المشتري إلا إذا علم منه الاعراض بعد النبات (أيضا) فيكون مال المخير (حينئذ) و اما الشركاء في الأرض فلا حق لهم في أصل الشجرة النابتة جديد أو كذا البائع الأول لانقطاع حقه عنه و قال في كتاب المزارعة لو زارع رجلا على أرض أو آجرة إياها فسقط من الحب الحاصل من الزرع في تلك الأرض عاما أخر فهو لصاحب البذر لا (صح) لصاحب الأرض الا ان يكون صاحب البذر أسقط حقه منه انتهى و النسخة التي نقلته منها مغلوطة و (الظاهر) منها ما نسبت اليه و قال في القواعد في باب المزارعة و لو تناثر من حب فنبت في العام الثاني فهو لصاحب البذر و لو كان من مال المزارعة فهو لهما انتهى و فيه مواقع للنظر و يتوقف البيان على تفصيل ما تضمنته العبارة و هو أمور الأول انّه ثبت الإباحة من الشارع بحكم الإجماع و دار الأمر بين كونها إباحة مالكية و بين كونها إباحة شرعية و إذا دار الأمر بينهما فالأصل يقتضي الحمل على الأخير و قد عرفت انّه استدل على المقدمتين بالإجماع و فيه انّه ان أراد أن الأصل في كل مورد دار الأمر فيه بين الإباحة المالكية و الشرعية هو الحمل على الأخير فهو ممنوع و لا دليل على تلك القضية الكلية و لم يقم عليها إجماع و ان أراد ان الحكم في هذا المورد بخصوصه هو الحمل على الأخيرة بدليل الإجماع عليه بخصوصه فان ذلك لا يصير أصلا و قاعدة إذ لا يعقل معنى للأصل و القاعدة الا بان يكون قضية كلية منطبقة على المصاديق ثم انه (رحمه الله) و ان استدل بهذا الدليل في خصوص الحبّ السّاقط قبل تعميم دعواه بالنسبة إلى الأشياء الخطيرة الا انّه لما ادعى الإجماع على الإباحة في الأشياء الخطيرة (أيضا) كان الجريان ذلك الدليل على وجه الإطلاق محلّ فلذلك جعلناه من أدلّة القول الأول الثاني الإجماع المدعى في كلام ابن إدريس (رحمه الله) قال في السرائر في باب النوادر من كتاب القضايا و الأحكام بعد ذكر رواية الشعيري الاتى ذكرها ما لفظه وجه الفقه