غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٨٤ - مسئلة احتكار الطعام
قيام القرينة ممّا يدفعه الأصل فالإنصاف ان أظهر محامل الاخبار بما هو بيان حكم ما لو لم يعلم المدفوع اليه غرض الدّافع و ان السؤال و الجواب كليهما ناظر ان الى ذلك و ان الإباحة شرعية و ان لم يكن مصرحا بها من المالك
مسئلة احتكار الطعام
قوله و هو الأقوى بشرط عدم باذل الكفاية
أراد ببذل الكفاية ما هو أعمّ ممّا كان بغير عوض أو بعوض و اعلم انّ الذي يعطيه كلام العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في المصابيح هو ان المتنازع فيه من حيث الحرمة و الكراهة انّما هو صورة الاحتياج الغير البالغ حد الاضطرار و عدم البائع و الباذل بحيث يستغنى بهما قال (رحمه الله) لا يجوز الاحتكار مع اضطرار الناس كما في المخمصة بالإجماع لأن فيه اعانة على إتلاف النفس المحترمة و يجوز مع السعة أو و من جود يستغنى به من بائع أو باذل بالإجماع و النصوص منها الحسن فان كان في المصر طعام أو متاع غيره فلا بأس بأن يلتمس بسلعته الفضل امّا مع الاحتياج الغير البالغ حدّ الاضطرار و عدم البائع و الباذل بحيث يستغنى بهما فقيل بالكراهة للأصل و عموم الناس مسلّطون على أموالهم و خصوص الحسن ان كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس و ان كان قليلا لا يسع الناس فإنّه يكره ان يحتكر الطعام و يترك الناس ليس لهم طعام و قيل بالتحريم للنصوص هذا ما أهمنا من كلامه (رحمه الله) و على هذا ففي المسئلة قولان أحدهما الحرمة و الأخر الكراهة فليس ما قواه (المصنف) (رحمه الله) قولا بالتفصيل في المسئلة كما يوهمه عبارته حيث ذكر القول بالتحريم في مقام نقله عاريا عن شرط عدم باذل الكفاية و قيده به في مقام تقويته ثم ان (المصنف) (رحمه الله) لم يفصل المقال في مستند القول بالكراهة و قد أشبع الكلام فيه صاحب الجواهر (رحمه الله) لكون ذلك القول مختاره قال في ذيل قول المحقق (رحمه الله) الاحتكار مكروه و قيل حرام و الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها الأصول و قاعدة تسلّط الناس على أموالهم المعتضدة بنصوص الاتجار و حسن التعيّش و الحزم و التدبير و غير ذلك السّالمة عن معارضة دليل معتبر على التحريم لقصور نصوص المقام سند أو دلالة عن ذلك إذ هي خبر السكوني عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يحتكر الطعام إلا خاطئ و خبره عن ابى عبد اللّه الحكرة في الخصب أربعون يوما و في البلاء و الشدّة ثلاثة أيّام فما زاد على الأربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون و ما زاد في العسرة على ثلاثة أيّام فصاحبه ملعون و خبر حذيفة بن منصور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) نقد الطعام على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فأتاه المسلمون فقالوا يا رسول اللّه قد نفد الطعام و لم يبق منه الا شيء عند فلان فمره يبيعه الناس قال فحمد اللّه و اثنى عليه ثم قال يا فلان ان المسلمين ذكروا ان الطعام قد نفد إلا شيئا عندك فأخرجه فبعه كيف شئت و لا تحبسه و خبر القداح عنه (عليه السلام) (أيضا) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الجالب مرزوق و المحتكر ملعون و المرسل نهى أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الحكرة في الأمصار و خبر حمزة عن على (عليه السلام) انّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) مرّ بالمحتكرين فأمر بحكرتهم ان تخرج الى بطون الأسواق و حيث ينظر الناس إليها فقيل لرسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لو قوّمت عليهم فغضب (صلى الله عليه و آله و سلم) حتى عرف الغضب في وجهه و قال انا أقوّم عليهم انّما السعر الى اللّه عزّ و جل يرفعه إذا شاء و يضعه إذا شاء و خبر ابى مريم عن ابى جعفر (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أيّما رجل اشترى طعاما فكبسه أربعين صباحا يريد به غلاء المسلمين ثم باعه فتصدّق بثمنه لم يكن كفارة لما صنع و خبر أبي البختري المروي عن قرب الاسناد عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) ان عليا (عليه السلام) كان ينهى عن الحكرة في الأمصار و قال ليس الحكرة إلا في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن ثم ذكر ما حكاه (رحمه الله) عن نهج البلاغة ثم قال و في المرسل المروي عن كتاب ورام عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن جبرئيل (عليه السلام) اطلعت في النار فرأيت واديا في جهنم يغلى فقلت يا مالك لمن هذا فقال لثلثة المحتكرين و المدمنين للخمر و القوادين ثم قال (رحمه الله) و هي أجمع كما ترى مع قصور أسانيدها كادت تكون صريحة في الكراهة ضرورة كون اللسان لسانها و التأدية تأديتها كما لا يخفى على من لاحظ ما ورد عنهم (عليه السلام) في المكروهات و ترك بعض المندوبات
كغسل الجمعة و الجماعة و الأكل وجده و تفريق الشعر و نحو ذلك و لذا صرّح بها في صحيح الحلبي و ساقه على الوجه المذكور في المتن ثم قال بل ربما أشعر بذلك ايضا التقييد بالأمصار إذ لا مدخلية مع القول بالحرمة بين المصر و غيره و انّما يختلف بذلك شدّة و ضعفا على الكراهة بل قوله لا يحتكر الطعام إلا خاطئ كذلك أيضا فإنه بناء على الحرمة يكون من بيان البديهيات لكن على الكراهة يكون المراد منه الشدة الّتي هي بمنزلته و كذا خبر الكفارة و التفصيل بين الأربعين و الثلاثة الى غير ذلك من الأمارات في النصوص المزبورة بحيث يمكن دعوى حصول القطع للفقيه الممارس بذلك كما لا يخفى على من رزقه اللّه (تعالى) فهم كلامهم و رمزهم و من ذلك يعرف ما في الاستدلال للقول بالحرمة بالنصوص المزبورة مؤيّدا بالقبح العقلي المستفاد من ترتب الضّرر على المسلمين و كون منشئه الحرص المذموم عقلا و منافاته للمروّة ورقة القلب المأمون بهما (كذلك) إذ قد عرفت مفاد النصوص كما ان من الواضح عدم استقلال العقل بإدراك قبح ذلك خصوصا و موضوع البحث حبس الطعام انتظار العلو السّعر على حسب غيره من أجناس التّجارة من حيث كونه (كذلك) لا مع قصد الإضرار بالمسلمين و لو بشراء جميع الطعام فيسعره عليهم بما يشاء أو لأجل صيرورة الغلاء بالناس بسبب ما يفعله أو لإطباق المعظم على الاحتكال على وجه يحصل الغلاء و الإضرار على وجه ينافي سياسة الناس و لذا أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) الأشتر بما سمعت أو لغير ذلك من المقاصد التي لا مدخليته لها فيها نحن فيه ممّا هو معلوم الحرمة لأمر أخر خارجي بل هو (كذلك) في كلّ حبس لكلّ ما تحتاجه النفوس المحترمة و يضطرون اليه و لا مندوحة لهم عنه من مأكول أو مشروب أو ملبوس أو غيرها من غير تقيد بزمان دون زمان و لا أعيان دون أعيان و لا انتقال بعقد و لا تحديد بحد بعد فرض حصول الاضطرار بل الظاهر تسعيره (حينئذ) بما يكون مقدورا للطالبين إذا تجاوز الحدّ في الثمن بل لا يبعد حرمة قصد الاضطرار بحصول الغلاء و لو مع عدم حاجة الناس و وفور الأشياء بل قد يقال بالتحريم بمجرد قصد الغلاء وحيه و ان لم يقصد الإضرار و يمكن تنزيل القول بالتحريم على بعض ذلك كما عسا يومي اليه بعض كلماتهم فيرتفع الخلاف (حينئذ) في المسئلة و انّما الكلام في حبس الطعام انتظارا به علو السعر على حسب غيره من أجناس التجارة مع حاجة الناس و عدم وصولهم الى حد الاضطرار فدعوى وصول العقل الى القبح التحريمي في مثل ذلك واضحة المنع انتهى و فيه انّ ما ذكره من الاخبار و ان كانت ضعيفة السّند الا انّ دلالة جملة منها ممّا لا اشكال فيه مثل ما عن نهج البلاغة حيث تضمن لفظ النّهى و المنع الظاهرين في الحرمة خصوصا بضميمة قوله (عليه السلام) فنكل به و عاقب أو لا تنكيل و لا عقاب من الحاكم على فعل المكروه و ان دليل المسئلة غير منحصر فيما ذكره من الاخبار الا ترى ان ثلاثة ممّا ذكره (المصنف) (رحمه الله) من قبيل الصّحاح و دلالتها على الحرمة ظاهرة فإن الصّحيحة الثانية بمفهوم نفى البأس الواقع جزاء في الجملة الشرطية تدلّ على الحرمة و كذلك الاولى خصوصا بملاحظة ما حكى فيها من قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يا حكيم بن حزام إياك ان تحتكر و امّا ما ذكره من ان لسان ما ذكره (صح) من الاخبار لسان الكراهة و التأدية تأديتها ففيه ان لسان الكراهة في هذا المقام ليس إلا عبارة عن التحديد و التأكيد و الوعيد بالنار كما أشار الى ذلك بالإحالة على ملاحظة ما ورد عنهم (عليه السلام)