غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٥٤ - القول في الوقف المنقطع
فيه بما إذا وجب الضّرر العظيم و ان لم يكن بتلف شيء من المال فضلا عن العين الموقوفة و امّا الثاني فهو ان يقال ان الحكم على هذا الوجه مخالف للمشهور فلا يبقى (حينئذ) وثوق بالرّواية بحيث يرفع اليد بها عن العمومات و القواعد
قوله فالمكاتبة غير مفتى بها عند المشهور لان (الظاهر) اعتبارهم العلم أو الظّن بأداء بقائه إلى الخراب الغير الملازم للفتنة الموجبة لاستباحة الأموال و الأنفس فيكون النسبة بين فتوى المشهور و مضمون الرّواية عموما من وجه
لأن المكاتبة أعم من جهة انّه لم يعتبر فيها العلم و لا الظن بل اعتبر فيها الاحتمال المدلول عليه بلفظ ربما و قد اعتبروا في فتواهم أحد الأمرين من العلم أو الظن و فتوى المشهور أعم من جهة انّه لم يعتبر فيها أداء البقاء إلى الفتنة الموجبة لاستباحة الأموال و الأنفس و انّما اعتبروا مطلق الخراب الغير المستلزم لتلك و قد اعتبرت في الرواية
قوله لكن الحكم على هذا الوجه مخالف للمشهور
يعنى من باب جهة القضيّة التي هي كون البيع في صورة وقوع الاختلاف التي ربما أوجب تلف الأموال و ان كان من باب جواز بيع الوقف التام المؤيّد ليس مخالفا للمشهور
قوله لكن الإنصاف ان هذا لا يمنع من جبر ضعف دلالة الرّواية و قصور مقاومتها للعمومات المانعة بالشهرة
يعنى ان كون النسبة بين فتوى لمشهور و بين الرّواية هي العموم من وجه من هذه الحيثيّة الّتي هي مناط الجواز لا يمنع من جبر ضعف دلالة الرّواية بالشهرة من حيثية أخرى و هي جواز بيع الوقف المؤيّد التام الذي حصل فيه الإقباض لأنهم قد حكموا به قطعا غاية ما في الباب اختلافهم في جهة القضيّة التي عبّر عنها (المصنف) (رحمه الله) بمناط الجواز و هذا الّذي ذكرناه يعطيه التأمل فيه التعليل بقوله لان اختلاف فتاوى المشهور انّما هو من حيث الاختلاف في فهم المناط الذي انبط به الجواز و امّا دلالة المكاتبة على كون مورد السؤال هو الوقف المؤبّد التام فهي على تقدير قصورها منجبر بالشهرة و وجه الاخبار بالشهرة كونها كاشفة عن قرينة اقترنت بالخبر دلتهم على المقصود قد خفيت علينا
قوله فيندفع بها ما يدعى من قصور دلالتها من جهات مثل عدم ظهورها في المؤبّد لعدم ذكر البطن اللاحق
و أول من نبه على هذا المعنى فيما وجدناه من كتب الأصحاب هو الصّدوق (رحمه الله) حيث قال في كتاب من لا يحضره الفقيه بعد ذكر الرّواية ما نصّه قال مصنّف الكتاب (رضي الله عنه) هذا وقف كان عليهم دون من بعدهم و لو كان عليهم و على أولادهم ما تناسلوا و من بعد على فقراء المسلمين الى ان يرث اللّه الأرض و من عليها لم يجز بيعه ابدا انتهى
قوله فلا بد امّا من رفع اليد عن مقتضى المعاوضة إلا بتكلّف سقوط حق سائر البطون عن الوقف انا ما قبل البيع لتقع المعاوضة في مالهم
الاستثناء متعلّق بمقتضى المعاوضة لا برفع اليد و الضمير المجرور بإضافة لفظ المال اليه يعود الى الموجودين لا إلى سائر البطون
قوله الّا ان يحمل على كونه ناظرا أو يقال انّه أجنبيّ استأذن الإمام (عليه السلام) في بيعه عليهم حسبة
لا يخفى ان كلا من الاحتمالين يندفع بملاحظة صدر السّؤال في الخبر حيث قال فيه كتبت الى ابى جعفر (عليه السلام) ان فلانا ابتاع ضيعة فوقفها و جعل لك في الوقف الخمس
قوله ثم ان الظاهر من بعض العبائر المتقدّمة بل المحكي عن الأكثر ان الثمن في هذا البيع للبطن الموجود
ان أراد بالمشار اليه خصوص ما كان مسبّبا من الاختلاف كما يشعر به استدراك تصريح جامع المقاصد المتضمن لقوله على وجه يندفع به الخلف فليس في العبائر المتقدّمة ما يظهر منه كون الثمن في هذا الفرض بخصوصه للبطن الموجود الا ان يستظهر ذلك من عبارة المفيد (رحمه الله) حيث قال و ليس لأرباب الوقف ان يتصرّفوا فيه ببيع أو هبة أو يغيروا شيئا من شروطه الا ان يخرب الوقف و لا يوجد من يراعيه بعمارة أو سلطان أو غيره أو يحصّل بحيث لا يجدى نفعا فلهم بيعه و الانتفاع بثمنه (انتهى) بدعوى ان عدم وجود من يراعيه عبارة عن الخلف بين أربابه و ان ذلك هو السّبب في الخراب لكن لا يخفى ما في دلالة العبارة على هذه الدّعوى من الخفاء و ان أراد مطلق ما ساغ فيه البيع و لو لم يكن مسبّبا من خصوص الاختلاف و كان ذكر كلام جامع المقاصد مبنيّا على كونه أحد موارد تسويغ البيع فلا خفاء في ظهور عبارة المفيد (رحمه الله) في ذلك و مثلها عبارة الانتصار من هذه الجهة
[القول في الوقف المنقطع]
قوله و امّا الوقف المنقطع و هو ما إذا وقف على من ينقرض بناء على صحته كما هو المعروف فامّا ان نقول ببقائه على ملك الواقف و امّا ان نقول بانتقاله الى الموقوف عليهم و على الثاني فامّا ان يملكوه ملكا مستقرّا بحيث ينتقل منهم الى ورثتهم عند انقراضهم و امّا ان يقال بعوده الى ملك الواقف و امّا ان يقال بصيرورته في سبيل اللّه
الحق من بين هذه الأقوال هو القول بالصّحة و عدم تملك الموقوف عليهم ملكا مستقرا فيرجع بعد انقراضهم الى الواقف على تقدير وجوده و الى وارثه على تقدير موته فلنا في المقام دعويان لنا على أوليهما عموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أصالة عدم اشتراط ما زاد على صدق العقد و خصوص أدلّة الوقف مثل قوله (عليه السلام) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها و صحيحة ابن الصفار كتبت الى أبي محمّد (عليه السلام) اسئله عن الوقف الذي يصحّ كيف هو فقد روى ان الوقف إذا كان غير موقت فهو باطل مردود على الورثة و إذا كان موقّتا فهو صحيح ممضى و قال قوم ان الموقت هو الذي يذكر فيه انه وقف على فلان و عقبه فإذا انقرضوا فهو للفقراء و المساكين الى ان يرث اللّه الأرض و من عليها قال و قال اخرون هو موقت إذا ذكر انّه لفلان و عقبه ما بقوا و لم يذكر في آخره للفقراء و المساكين الى ان يرث اللّه الأرض و من عليها و الّذي هو غير موقت ان يقول هذا وقف و لم يذكر أحدا فما الّذي يصحّ من ذلك و ما الذي يبطل فوقّع (عليه السلام) الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها (إن شاء الله) (تعالى) فإنها تدلّ على انّ كلّا مما ذكر فيه من الموقوف عليه من ينقرض و ما ذكر فيه منه من لا ينقرض صحيح لانّه وقف فيقع على حسب ما يوقفه اهله و يظهر منه بطلان ما لم يذكر فيه الوقوف عليه أصلا لأن العقد لا يتحقق الا بمتعلّقاته و المفروض عدم ذكر الموقوف عليه الّذي هو عمدة المتعلقات و الذي به قوام معناه و يظهر من الصحيحة المذكورة تفسير صحيحة ابن مهزيار قال قلت له (عليه السلام) روى بعض مواليك عن آبائك (عليه السلام) ان كل وقف الى وقت معلوم فهو واجب على الورثة و كلّ وقف الى غير وقت جهل مجهول فهو باطل مردود على الورثة و أنت اعلم بقول ابائك (عليه السلام) فكتب (عليه السلام) هو هكذا عندي فإن قوله (عليه السلام) واجب على الورثة معناه انه واجب عليهم إمضاؤه و قد علم من الصّحيحة المذكورة ان الموقت عبارة عما ذكر فيه الموقوف عليه فكل ممّا ينقرض فيه الموقوف عليه و ما لا ينقرض موقت الى وقت معلوم و كلّ ما لم يذكر فيه الموقوف عليه فهو جهل مجهول باطل و لما ذكرناه قال الشيخ (رحمه الله) ان الوقف متى لم يكن مؤبدا لم يكن صحيحا و متى قيد بوقت و الى أجل بطل الوقف و معنى الحديث الذي رواه على بن مهزيار من قوله كلّ وقف الى وقت معلوم فهو واجب انّه إذا كان الموقوف عليه مذكورا لأنّه ان لم يذكر في الوقف الموقوف عليه بطل الوقف و لم يرد بالوقت الأجل و كان ذلك متعارفا بينهم