غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٨٥ - مسئلة احتكار الطعام
في المكروهات و ترك بعض المندوبات و مثل ذلك بعد تسليم كونه لسان الكراهة ليس مختصا بها بل هو كما يكون لبيانها يكون لبيان كون المعصية كبيرة و مع وقوع التصريح في الاخبار الصّحيحة بما هو حقيقة في التحريم و ظاهر فيه لا يصلح مثل ذلك قرينة صارفة للفظ عن حقيقته بل يكون مؤكدا للحرمة و قد اعترف هو (رحمه الله) في باب صلاة الجماعة بان من أنواع الكبائر ما توعد عليه بالنار فكيف يصلح لصرف ما هو حقيقة في التحريم عن حقيقته نعم لو علم من الخارج كون الفعل مكروها أو مستحبا كان اللازم حمل ما ورد من الوعيد على فعل الأوّل أو ترك الثاني على المبالغة بحكم القرينة الخارجية كما في التهديد على الأكل وحده و ترك غسل الجمعة و الجماعة و امّا مع عدم قيام دليل معتبر على خلاف ما دلّ على الوعيد فلا وجه لصرفه إلى الكراهة فنقول ان واحدا من الاخبار إذا كان صحيحا ظاهر الدلالة كان حجة و كان ما عداه مؤيدات فلا يضر ضعف أسانيدها و امّا ما ذكره من ان التقييد بالأمصار في قوله (عليه السلام) نهى أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الحكرة في الأمصار يشعر بالكراهة ففيه أن الإشعار لا يصلح صارفا للفظ النّهى عن حقيقته التي هي التحريم و يمكن ان يكون التقييد ناظرا الى الغالب المتعارف من وقوعها في الأمصار دون البوادي كما لا يخفى على من التفت الى معتاد الناس و امّا ما ذكره من ان قوله (عليه السلام) لا يحتكر الطعام إلا خاطئ يكون بناء على الحرمة من البديهيات لكن على الكراهة يكون المراد منه الشدّة التي هي بمنزلتها ففيه ان كونه بناء على الحرمة من البديهيات انّما يتحقق إذا كانت الحرمة من بديهيات كما لو قيل ان من خالف أمر اللّه (تعالى) خاطئ و امّا إذا لم تكن هي من البديهيات و سيق مثل الكلام المذكور لبيانها فمن اين يكون من بيان البديهي و يعلم من هذا ما في قياس خبر الكفارة عليه و اما ما ذكره من ان التفصيل بالأربعين و الثلاثة مشعر بالكراهة (فالظاهر) ان وجهه هو ان الحرمة لا تقبل الاختلاف و الشدّة و الضعف ففيه ان ذلك انّما كان له وجه لو كان الاختلاف بالنسبة إلى موضوع واحد و امّا بالنسبة إلى موضوعين كما هنا فلا وجه له لأنّ الأربعين انّما هي في حال الرخص و السّعة و الثلاثة انّما هي في حال الغلاء و لا مانع من مثل هذا الاختلاف في الحكم الإلزامي كما هو واضح و امّا ما ذكره من ان ما كتبه (عليه السلام) الى الأشتر ناظرا إلى إطباق المعظم على الاحتكار المقتضى لإعمال لوازم السّياسة فلا ينافي كراهة أصل الاحتكار ففيه ان ذلك لا يلائم قوله (عليه السلام) فمن قارف حكرة (انتهى) الدال على انّها لو قام بها الواحد (أيضا) استحق العقاب و التنكيل مضافا الى ان هذا الحمل اعتراف بما أنكره من دلالة الأخبار الّتي هو من جملتها على التحريم و امّا حمل الأخبار الدّالة على التحريم على صورة الاضطرار فلا داعي إليه لما عرفت من عدم صلاحية ما زعمه صارفا للصّرف عنه مضافا الى ان ذلك مناف لما نطق بتحديد الحكرة في السعة بالأربعين ضرورة عدم اجتماع الاضطرار و السّعة في حال واحد
قوله و ربما قدمت على نفاق و ربما قدمت على كساد فحبست
قال في المصباح نفقت المرأة و السلعة نفاقا بالفتح كثر طلابها و خطابها انتهى و قال فيه ايضا كسد الشيء يكسد من باب قتل كسادا لم يتفق لقلّة الرّغبات فهو كأسد و كسيد انتهى و قوله حبست مبنى للفاعل و مفعوله محذوف و التقدير حبست الطعام لما قدمت على كساد
قوله انّما كان ذلك
قال العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في المصابيح انّما كان ذلك اى المحتكر
قوله (عليه السلام) فان كان في المصر طعام أو متاع غيره فلا بأس ان تلتمس بسلعتك الفضل
هكذا في الفقيه و كتب بعض شراحه ما نصه لعلّ تقديره أو كان عندك متاع غير الطعام ثم قال و في الصّحاح السّلعة المتاع انتهى و حاصله على هذا التقدير نفى الحكرة عن غير الطعام و يحتمل ان يكون معطوفا على الطعام بل هو الظاهر و يكون التقدير أو كان في المصر غير الطعام و المعنى ان وجود غير الطعام (أيضا) مما يرفع حاجة الناس من سائر أقسام المأكول يرفع حكم الحرمة عن احتكار المحتكر و في الوسائل (أيضا) ذكر لفظ الحديث على الوجه المتقدم و لكن في التهذيب فان كان في المصر طعام أو يباع غيره بصيغة فعال من البيع و لعلّ العلّامة الطباطبائي (رحمه الله) نقل منه حيث ذكره في المصابيح مطابقا له
قوله (عليه السلام) بيعا سمحا
قال في المصباح سمح بكذا يسمح بفتحتين سموحا و سماحا و سماحة جاد و اعطى و وافق على ما أريد منه الى ان قال و سمح فهو سمح وزان حشن انتهى
قوله (عليه السلام) فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به و عاقب في غير إسراف
قال في المصباح فارقته مفارقة و فراقا من باب قاتل قاربته انتهى و النكال بالفتح العقوبة و التنكيل به عبارة عن عقوبته و النكتة في التقييد بقوله (عليه السلام) في غير إسراف النّهي عن تجاوز الحد في العقوبة نظرا الى ان هذه العقوبة من باب النهى عن المنكر فيكتفى فيها بما يرتدع به عن المنكر فلا يجوز الزيادة على ذلك
قوله و حمله على تأكد الكراهة أيضا مخالف لظاهر بكسره كما لا يخفى
لان لفظه في الحديث مطلق و تقييده من غير دليل عليه في الكلام مخالف لظاهر الإطلاق
قوله (عليه السلام) أيما رجل اشترى طعاما فحبسه أربعين صباحا
(انتهى) الظاهر انّ هذا من سهو الناسخين إذا الموجود في نسخة الوسائل المصحّحة المعروضة على خطّ مؤلفها فكبسه و كذا في غيرها من الكتب و معناه على ما في المجمع جمعه أو أخفاه
قوله و في السّند بعض بنى فضال
هو على بن حسن بن على بن فضال لان سند الخبر في الوسائل هكذا محمّد بن الحسن في المجالس و الاخبار عن احمد بن عبدون عن على بن محمّد بن الزبير عن على بن الحسن بن فضال عن العباس بن عامر عن احمد بن رزق عن ابى مريم عن ابى جعفر (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أيّما رجل اشترى طعاما فكبسه (انتهى)
قوله و (الظاهر) انّ الرّواية مأخوذة من كتبهم الّتي قال العسكري (عليه السلام) عند سؤاله عنها خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا
يعنى خذوا بما رووا في كتبهم بقرينة كون السؤال عنها اعلم ان هذه العبارة اشتملت على دعويين الاولى استظهار كون الرّواية مأخوذة من كتب بنى فضال و لم أقف له على شاهد سوى ما عن الفهرست من قوله في على بن الحسن بن على بن فضال فطحي المذهب كوفي ثقة كثير العلم واسع الاخبار جيد التصانيف غير معاند و كان قريب الأمر إلى أصحابنا الإماميّة القائلين بالاثني عشر و كتبه في الفقه مستوفاة في الاخبار حسنه اجتزنا بكتبه قراءة عليه أكثرها و الباقي أجازه أحمد بن عبدون عن على بن محمّد بن الزبير سماعا و اجازة عنه انتهى و لكن من ذكر في هذه العبارة أنّه ردى كتبه و ان كان هو راوي الحديث المذكور عنه الّا ان شهادتها بالمطلوب انّما يتم بعد ثبوت مقدّمة أخرى من الخارج و هي ان جميع ما رواه مضبوط في كتبه و إثباتها لا يخلو عن الاشكال و الذي يهون الخطب هو انّ مدّعى (المصنف) (رحمه الله) انّما هو الظن و لا مانع من حصوله من استقرأ أحوال المشايخ الرّواة و وجدان استقرار عادتهم على ضبط ما رووه في كتبهم خصوصا بنى فضال الموصوفين بكثرة التصانيف و لا تكون غالبا الا بالاهتمام بضبط جميع المسموعات الثانية ان اذنه (عليه السلام) في الأخذ بما رووا و نهيه عن الأخذ بما رأوا مخصوص بكتبهم و قد أشرنا الى ان الدليل على هذه الدّعوى وقوع السؤال عن كتبهم فيكون كلامه (عليه السلام) في تقدير خذوا بما رووا في كتبهم و يمكن المناقشة في ذلك بأنّ العبرة بعموم اللفظ