غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٤٥ - الكلام في الوقف المؤبد
في هذا الحديث ان ما أخرجه البحر فهو لأصحابه و ما تركه أصحابه آيسين منه فهو لمن وجده و غاص عليه لانه صار بمنزلة المباح و مثله من ترك بعيره من جهد في غير كلاء و لا ماء فهو لمن أخذه لأنه خلاه آيسا منه و رفع يده عنه فصار مباحا و ليس هذا قياسا لان مذهبنا ترك القياس و انّما هذا على جهة المثال و المرجع فيه الى الإجماع و تواتر النصوص دون القياس و الاجتهاد و على الخبرين إجماع أصحابنا منعقد انتهى و تقريب الاستدلال ان قوله و المرجع فيه الى الإجماع بعد قوله و انّما هذا على جهة المثال معناه ان المرجع في هذا إلى الإجماع (صح) على العنوان الكلّي الذي هذا فرد منه فيكون ذلك الكلّي عبارة عن مال خلّى مع اليأس عنه و التخلية في كلامه كالترك في الرواية الدّالة على حكم البعير عبارة عن الاعراض بل لنا ان نقول انّه يكفى قوله في ذيل كلامه و على الخبرين إجماع أصحابنا منعقد بضميمة ما علل به الحكم المذكور في رواية البعير بقوله (رحمه الله) لانه خلاه آيسا منه إذ لو لا كون الكبرى الكلّية المنطبقة عليه مسلمة لم يكن للاحتجاج به وجه و فيه أولا ان الإجماع المذكور بالنسبة إلينا من قبيل المنقول و لا وثوق لنا به مع اختلاف أقوالهم و اضطراب كلماتهم كما عرفت و ستعرف زيادة على ذلك فيما يمرّ بك عن قريب (إن شاء الله) (تعالى) و يزيد في بعد الدعوى المذكورة عن خير الوثوق ان مقتضى قوله صار بمنزلة المباح و قوله فصار مباحا ان المال قد صار من قبيل المباحات الأصلية و لازمه القول بالملك اللازم بعد الحيازة كما صرّح بلازمه في كتاب اللقطة من السّرائر حيث قال و يترك البعير إذا وجده في المفازة الا ان يكون قد خلّاه صاحبه من جهد في غير كلاء و لا ماء فليأخذه فإنه بمنزلة الشيء المباح و ليس لصاحبه بعد ذلك المطالبة به فان كان قد خلاه في كلاء و ماء فليس له أخذه و كذلك الحكم في الدابة انتهى و معلوم ان بعد القول بالملك اللازم عن خير الإجماع أزيد من القول بمطلق الملك و ثانيا انا لو سلمنا جواز الركون الى الإجماع المذكور كان اللازم الحكم بمقتضاه و ليس مقتضاه إلا صورة الياس و ليس في الكلام المدعى فيه دلالة على الاعراض الذي هو المبحوث عنه لأن النسبة بين الاعراض و الياس عموم من وجه و كل من الترك و التخلية أعمّ منهما (مطلقا) و قد قيد العام بالخاص الذي هو الياس و رفع اليد في كلامه عبارة عن رفع سلطنته الذي هو عبارة أخرى عن الترك و التخلية المذكورين في المقام فهو غير ملازم للاعراض القلبي الذي هو البناء على عدم كونه في عداد أمواله و لما ذكرنا قال الشهيد (رحمه الله) في كتاب القضاء من الدروس بعد ذكر رواية الشعيري ما لفظه و حملها ابن إدريس (رحمه الله) على يأسهم منه فهو كالبعير المتروك و بعضهم على الاعراض منه انتهى و قال في كشف اللثام في شرح قول العلامة (رحمه الله) في القواعد و لو انكسرت سفينة في البحر فلأهله ما أخرجه البحر و ما اخرج بالغوص لمخرجه ان تركوه بنية الإعراض ما لفظه لقول الصادق (عليه السلام) في خبر الشعيري الى ان قال و لضعفه و مخالفته للأصول حمله على الاعراض و حمله ابن إدريس (رحمه الله) على الياس انتهى و قد عرفت ما ذكره صاحب الرياض (رحمه الله) في العبارة التي قدمنا ذكرها من قوله فأبو العباس في مقتصرة نزله على ما ذكره الحلّي من التقييد بصورة الياس و اخرون نزلوه على صورة الاعراض و من ذلك كله يعلم سقوط استدلال للمستدل كما يعلم سقوط ما حكاه في الجواهر بقوله و ربما استظهر من عبارة ابن إدريس (رحمه الله) المتقدمة اعتبار الياس زيادة على الاعراض فيه انتهى و لعلّ مراده بالمستظهر هو الفاضل القمي (رحمه الله) لانه قال بعد ذكر كلام ابن إدريس (رحمه الله) ظاهر كلام ابن إدريس (رحمه الله) دعوى الإجماع على ان المال المأيوس منه المعرض عنه كالمباح انتهى و اما ما ذكره الفاضل المذكور من انهم ذكروا في مسئلة حفر البئر في الأراضي المباحة لا بنية التملك بل لينتفع به انه لو عاد إليها بعد الاعراض ساوى غيره فلا دخل له بالمقام لان كلامهم ذاك مسوق لبيان عدم حصول الملك من أوّل الأمر لا لبيان زواله بعد حصوله على ما هو المقصود فيما نحن فيه الثالث الاخبار قال ابن إدريس (رحمه الله) في باب النوادر من كتاب القضايا و الأحكام روى
الحسين بن على بن يقطن عن أمية بن عمرو عن الشعيري قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن سفينة انكسرت في البحر فاخرج بعضها بالغوص و اخرج البحر بعض ما غرق فيها اما ما أخرجه البحر فهو لأهله اللّه أخرجه لهم و امّا ما اخرج بالغوص فهو لهم و هم حق به و روى في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه كان يضمن الصياغ و القصار و الصائغ اختلاطا على أمتعة الناس و كان لا يضمن من الغرق و الحرق و الشيء الغالب فإذا غرقت السفينة و ما فيها فاصابه الناس قاطبة فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله فهم أحق به و ما غاص عليه الناس فاخرجوه و قد تركه صاحبه فهو لهم قال في الوسائل بعد نقل هذا الخبر الأخير عن محمّد بن يعقوب عن على بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و رواه الصدوق مرسلا و رواه ابن إدريس في أخر السرائر نقلا عن جامع البزنطي و في الفقيه عن السكوني عن جعفر بن محمد (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال قضى على (عليه السلام) في رجل ترك دابته من جهد قال ان تركها في كلاء و ماء و أمن فهي له يأخذها حيث أصابها و ان تركها في خوف و على غير ماء و كلاء فهي لمن أصابها و قد تقدم صحيحة عبد اللّه بن سنان في جملة أدلّة القائل بكون الاعراض مخرجا و في الوسائل بسنده عن مسمع عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال ان أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول في الدابة إذا سرحها أهلها أو عجزوا عن علفها أو نفقتها فهي للذي أحياها قال و قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ترك دابة بمضيعة فقال ان كان تركها في كلاء و ماء و أمن فهي له يأخذها متى شاء و ان كان تركها في غير كلاء و لا ماء فهي لمن أحياها وجه الاستدلال بأخبار السفينة انها لما كانت ضعيفة السند غير معمول بها على إطلاقها فلا بد من تقييدها بصورة الاعراض أو يقال انها تنصرف بحكم الغلبة إلى الصّورة المذكورة بمعنى ان الغالب ان ما لم يخرجه البحر و ما لم يتمكن اهله من إخراجه يعرض عنه اهله فالتقييد انما هو من الانصراف لا من الخارج و بعد التقييد بالإعراض فهي منجبرة بالشهرة كما ادعاها الفاضل القمي (رحمه الله) و بالإجماع المنقول و لا غبار في دلالتها بعد ذلك لان ظاهر اللازم افادة الملك بل افادة الملك اللازم مع انا لو أغمضنا عن الظهور نقول انه بعد ثبوت أصل الملك يتم بقاؤه و لزومه بالاستصحاب فيحتاج الحكم بالتزلزل الملازم للارتفاع الى الدليل ثم ان الاستدلال بالرواية الأولى موقوف على دلالتها على كون ما اخرج بالغوص للغائص و الضمير في قوله و اما ما اخرج بالغوص فهو لهم يحتمل ان يعود إلى أهله بل (الظاهر) ذلك لكونه بلفظ الجمع و قد أشار الى دفع هذا الإشكال في كشف اللثام بقوله و احتمال عود الضمير في لهم إلى أهله في غاية البعد مع التفصيل انتهى و وجه الاستدلال بأخبار لقطة البعير و الدابة و فيها الصحيح و غيره ان تركها لا يكون الا مع الاعراض و نظر الفقهاء (رضي الله عنه) في الحكم بمضمونها انما هو الى هذه الجهة و الترك و رواية السكوني و في ذيل رواية مسمع كالتصريح في صدرها عبارة عن الاعراض و أوضح منها صحيحة عبد اللّه بن سنان