غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٨٥ - الثمرة الثالثة من حيث تصرف الأصيل
نذر الأسباب لأن ما نحن بصدده انّما هو تصحيح الالتزام و إخراجه عن الاستحالة و اللغوية لا الالتزام بوقوع الملتزم بنفس ذلك الالتزام من دون حاجة الى إيجاد شيء من الأسباب و اما ما ترى من اطباقهم على وقوع العتق بمجرّد النذر من دون اشتراطهم إيقاع صيغة العتق بعد ذلك فذلك ممّا قام عليه الإجماع بخصوصه و منشأ الإجماع المذكور بعض الاخبار الدالة عليه و عدم البناء على وقوع الملتزم في جملة من المواضع كالنكاح و الطلاق و نحوهما من العقود و الإيقاعات الشرعية انّما هو من جهة دلالة الاخبار و قيام الإجماع على اعتبار ألفاظ خاصة في مثل ذلك لا من جهة بطلان النذر و لو لا تلك الأدلّة لقلنا بالوقوع بمجرّد النذر المذكور في ذلك (أيضا) هذا و تحقيق المقام ان نذر النتيجة بالمعنى الأعم الذي أخذناه عنوانا في المسئلة لا يخلو اما ان يكون ممّا اعتبر فيه صيغة مخصوصة كالنكاح و الطلاق و البيع و الوقف و العتق و أمثالها من العقود و الإيقاعات أو لا يكون (كذلك) كالتضحية و التصدّق على الفقراء و العطية امّا الثاني فنقول انّ الوجه فيه هو الحكم بصحة النذر و وقوع المنذور بصيغة و لا يحتاج إلى صيغة أخرى فلو نذر صيرورة حيوان معيّن أضحية أو كون المال صدقة أو كونه لزيد صحّ النذر و وقع من حينه و لا يحتاج إلى صيغة أخرى و لهذا حكموا في مسئلة الأضحية من دون خلاف بخروج الحيوان من ملك مالكه من حين النذر و قد عرفت نفى الخلاف من صاحب الجواهر (رحمه الله) و نقل الإجماع عن الشيخ (رحمه الله) في (الخلاف) و عن كشف اللثام في تلك المسئلة و يستفاد من حكمهم ذلك نكتة و هي انّ الوصف التوليدي قابل لتعلّق النذر به شرعا لاستحالة وقوع الممتنع فيتعدى الى جميع نظائر الأضحية و من أحكام هذا القسم انّه انّ ترك مقتضى النذر لم يحنث و لم يترتب عليه الكفارة لأن المنذور قد وقع بمجرد إيقاع صيغة النذر لعدم كونه من أفعال المكلّف حتّى يتوقّف على إيجاده بعد ذلك نعم يأثم بعدم ترتيب آثار النذر على المنذور و امّا الأوّل فهو على قمسين لانه اما ان يكفي في إيجاده صيغة النذر و ان كان له سبب خاص بسبب حصول ذلك السّبب الخاص في ضمن صيغة النذر كما لو نذر حرية عبد معيّن و اما ان لا يكفى ذلك و الأوّل (أيضا) على قسمين لانّه امّا ان يكون معلّقا على شرط سائغ غير التملك كما لو قال للّه علىّ انّ عبدي فلانا حران أقدم ابني من الفر سالما و امّا ان لا يكون معلّقا على شرط أصلا كما لو قال للّه علىّ انّه حر على المشهور المنصور من جواز النذر الغير المعلّق على شرط (فحينئذ) نقول امّا وجه كفاية صيغة النذر عن صيغة العتق و إفادتها مفادها في القسم الأوّل فلما عرفته في تضاعيف الكلمات السّابقة من انّ الصّيغة العتق عبارة عن قوله فلان حر و انّ الاشتراط انّما هو للنذر و لا يضرّ في انعقاده اتفاقا و ليس راجعا الى العتق حتى يقدح في صحّته و امّا حكم القسمين الأخيرين فحكم الثاني منهما وقوع المنذور بوقوع صيغة النذر لتحقق صيغة العتق في ضمن صيغة النذر و المفروض انها غير معلّقة على أمر غير واقع و لا مشروطة بشرط ليس بحاصل و لا حاجة الى إيقاع صيغة العتق بعد ذلك و حكم الأوّل وقوعه عند وقوع الشرط من دون حاجة الى صيغة أخرى (أيضا) و امّا الافتقار إلى صيغة الأخرى في نذر العتق المعلّق على شرط الملك عند الجماعة فهو من جهة انتفاء شرط العتق الذي هو عبارة عن الملك بدلالة قوله (عليه السلام) لا عتق إلا في ملك و (الظاهر) ان حال نذر الوقف العام حال نذر الحرية فلو قال للّه علىّ ان يكون هذه العين وقفا أو موقوفة أو صدقة مؤبّدة سواء قرنه بالشرط أم لا كان حكمه ما عرفت و الثاني على أقسام لانّه امّا ان يكون الناذر قد قصد بنذر النتيجة نذر إيقاع سببها أو قصد وقوع نفس المسبّب بمجرد وقوع صيغة النذر أو قصد وقوع نفس المسبّب في المستقبل لا بشرط بمعنى ان يكون إطلاق المسبّب احالة على ما هو المركوز في نظره من إيقاع المسبّب على الوجه المقرّر في الشّرع فالأوّل حكمه صحّة النذر و انعقاده قطعا الا انّه لا يكون المنذور (حينئذ) سوى إيجاد السّبب لانّ العقود تابعة للقصود فلا وجه لكون المقصود هو إيقاع السّبب و كون الواقع هو نفس المسبّب فيجب عليه إيقاع الصّيغة فلو نذر صيرورة المال مبيعا أو المرأة زوجة كان المنذور بعد
كون المراد إيجاد سببهما هو إيقاع صيغتهما و لا يتحقق المسبّب بمجرّد إيقاع صيغة النذر فلو ترك إيقاع السّبب الذي هو الصّيغة لزمه الحنث و لم يحرم التصرّف في المال في المثال الأوّل مع الحنث لانه ما لم يبعه فهو ماله و الناس مسلّطون على أموالهم و الثاني حكمه بطلان النذر لانّ النذر انّما يوجب ترتب الحكم إذا كان مشروعا و ليس مشرعا لأمور و أحكام غير مشروعة و الثالث حكمه صحة النذر لانّه قصد امرا مقدورا غاية ما هناك انّه مقدور بالواسطة و المقدور بالواسطة مقدور و هو و ان لم يكن من الأفعال التوليدية الّا انّه من الأوصاف التوليدية و لا يلزم في متعلّق النذر كونه فعلا و انّما يعتبر فيه كونه امرا مقدورا و لو بالواسطة و الى هذا القسم ينظر رواية على بن راشد و حسنة إسحاق بن عمار و ما بعدهما من الصحيح و الرّواية الأخيرة و قد تقدم ذكرها فراجع فالحاصل انّه من ملاحظة قاعدة تبعيّة العقود للقصود و تحصيل مدلول الرّوايات يتأتى ما ذكرناه من التفصيل و ليس المقام ممّا يعرض على أهل التعارف كما افاده بعضهم في طيّ الكلمات المذكورة من انّ عدم المعقولية قرينة على صرف كلام من نذر المسبّب الى السّبب لانّ هذا انّما يتمشى في فهم كلام الغير و الكلام هنا انّما هو في تكليف الناذر فيما بينه و بين اللّه و امّا الثالث و هو نذر الأسباب بأن ينذر التضحية به أو إعطائه للفقراء أو التصدّق به أو وقفه أو نحو ذلك فهناك وجوه ثلاثة أحدها ان يقال انّه يجب عليه ذلك الفعل من دون زيادة انتقال المال الى المنذور له و لا زيادة ثبوت حق له في ذلك فلا يصحّ له المطالبة به و الاقدام على دعواه فمع مخالفة الناذر لا يترتب عليه سوى العقاب و امّا جواز مطالبة المنذور له فلا نعم انّما يصحّ للحاكم الشرعي ردعه من باب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ثانيها ان يثبت زيادة على وجوب أصل الفعل حق المنذور له في المال المنذور بمعنى انّه يجب على الناذر صرفه اليه و على هذا فلا يخرج العين المنذورة عن ملكه بمجرّد النذر الا انّه يجب عليه إخراجه عن ملكه بصرفه الى المنذور له فالثابت (حينئذ) انّما هو حق للمنذور له لا تملكه للعين بالفعل ثالثها ان يقال انّه يثبت بالنّذر المتعلّق بالسّبب خروج العين المنذورة عن ملك الناذر و أوسط الوجوه أوسطها لأن ذلك هو المطابق للقاعدة من وجوب الوفاء بالنذر بمعنى إيجاد متعلّقه و ليس متعلّق النذر الّا فعل سبب الخروج عن الملك فكيف يترتب هو على النذر بمجرّد إيجابه من دون إيجاده فمقتضى النذر وجوب فعل ما نذره فيثبت بذلك حق المنذور له بمعنى انّه يجب صرف